حين يجلد المرء بعصا اقتطعت من أشجار بيته، يكن الوجع مضاعفا عن ذاك العصا الذي يكون غريب الوطن والصاحب، هكذا وبصورة مصغرة يمر قطاع غزة بسلسة من العقوبات الجائرة التي لم تبشر بنهاية قريبة ولا حتى بوعود لإنهائها، فوق كل هذا يجلد بماله الخاص ويعذب به وتمارس العقوبات الجائرة بحقه بأيدي فلسطينية شقيقة.
في الوقت الذي ترفض فيه حكومة الوفاق برئاسة رامي الحمدلله الاعتراف بأداء مهامها في غزة، وبعد إعلان حركة حماس حل اللجنة الإدارية القائمة بإدارة القطاع، تمسكت حكومة الوفاق فقط بإدارة المعابر والحدود وتحويل إيراداتها إلى خزينة "المقاطعة"، سيما ترفع يدها عن مسؤولياتها بكل ما له صلة بقطاع غزة، وكان لافتا تمسكها بإدارة المعابر وخاصة التجارية منها "كرم أبو سالم".
وفي خضم هذه المرحلة ظهرت العديد من الإشكاليات المتعلقة بأمور المعابر وأليات العمل الرقابي عليها، ما له انعكاسات اقتصادية متدهورة ومردود واضح بحسب السياسات المعمول، وأبرزها تلاشي عمل الوزارات في غزة وخروجهم من سلسلة الارتباطات المباشرة بما يخص الواردات والصادرات من المعابر بحسب ما يخصها، وهي وزارة "الصحة، الاقتصاد، الزراعة، المالية، الأشغال، النقل والمواصلات".
تدهور وانتعاش
وساهم تحويل الإيرادات التي ينتجها معبر كرم أبو سالم المقدرة بحوالي 10ملايين دولار شهريا إلى خزينة السلطة الفلسطينية في رام الله في تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع منسوب الانهيار المعيشي بفعل انعكاس الحالة الاقتصادية المتأزمة بفعل حرمان غزة من نصيبها.
المحلل الاقتصادي عمر شعبان قال :" الوضع الاقتصادي في قطاع غزة كارثي لأن القدرة الشرائية منخفضة جدا"، لافتا إلى وجود عشرات الآلاف من العائلات تعاني من تدني الدخل ونسبة فقر عالية".
وأكد شعبان على أن غزة لديها العديد من الموارد ولو فتح أمامها المجال لتنفيذ نشاطها الاقتصادي بشكل كامل ستساهم في دعم موازنة السلطة العامة ولن تكون عبئا عليها.
وفي كلمة سابقة لوزير المالية شكري بشارة قال فيها :" إن الإيرادات المالية المتوقع تحصيلها من قطاع غزة كفيلة بتغطية مشاريع اقتصادية وحيوية تم تأجيلها في السابق في الضفة الغربية خلال الفترة المقبلة.
وأكد كذلك في كلمته التي ألقاها في حفل افتتاح بإحدى جامعات الضفة على أن هناك توجه من قبل الحكومة الفلسطينية ورئيسها رامي الحمد الله، بتواصل الدعم المالي لإقامة المزيد من المشاريع الاقتصادية في الضفة بعد تحصيل الجباية والايرادات الخاصة بقطاع غزة.
ما يشير إلى إدارة الظهر لقطاع غزة من قبل الحكومة التي تشرف رسميا على إدارة المعابر، كما أنها لا تضع في جدولها خطة جادة لإدارة أزمات القطاع.
يشار إلى قطاع غزة يساهم في إيرادات المقاصة بنسبة تتراوح ما بين 50 إلى 60 في المئة من إجمالي إيرادات المقاصة الفلسطينية التي يُحصّلها الاحتلال على المعابر الفلسطينية ومن ثم يحولها لخزينة السلطة المالية، حسب تقارير اللجنة الاقتصادية بالمجلس التشريعي.
وشهدت أسواق غزة خلال الربع الأخير من عام 2017 انخفاضاً في حجم مبيعات كافة الأنشطة الاقتصادية في ظل حالة من الركود التجاري لم يسبق لها مثيل، ولم تمر على قطاع غزة منذ عقود وذلك نتيجة لضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي وأزمة الكهرباء الطاحنة واستمرار الخصم على رواتب موظفي السلطة وعدم تلقي موظفي الحكومة السابقة في غزة لأي دفعات من رواتبهم خلال الشهرين الأخيرين.
تعلية جمركية
وزارة الاقتصاد في قطاع غزة أعدت دراسة ورصد حول وضع معبر كرم أبو سالم بعد تسليمه وأبرز الاخطار والاشكاليات التي جرت في عمله، وتوصلت لأبرز تلك التداعيات والمتمثلة بوقف التعامل بإذن الاستيراد والذي كان يعول عليه للمحافظة على حجم العرض على السلعة بأنواعها المختلفة وحماية المنتج الوطني.
كما انتشرت العلامات التجارية المزورة بسبب عدم وجود سيطرة على المعابر والتدقيق في السلع الواردة، وعودة الاحتكار للعديد من السلع نتيجة لعودة الوكالات التجارية، بالإضافة إلى عدم إرسال تقارير يومية (محاضر ضبط وتحفظ) للمنتوجات المستوردة من الخارج حيث لم يصل الإدارة العامة للصناعة أي محضر أو تقرير بهذا الخصوص، ما ساهم في عجز الوزارة عن متابعة جودة المنتوجات المستوردة وخاصة التي تشكل خطرا على حياة المواطن مثل المنتوجات التي لها علاقة باستخدام الغاز المنزلي والتمديدات الكهربائية.
وتبعه غياب متابعة المنتوجات التي تدخل في أعمال البنية التحتية وعملية الإعمار مثل الإسمنت والتمديدات الصحية ومياه الشرب وغير ذلك من الأصناف.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي أسامة نوفل أن العديد من السلع والخدمات ارتفعت أسعارها كما أمعن موظفو وزارة المالية في حكومة التوافق العاملين على المعابر في زيادة التعلية الجمركية على البضائع الواردة إلى قطاع غزة.
وأضاف أنه جرى زيادة أسعار السولار والذي كان متنفساً مهماً لدى غالبية أفراد المجتمع وخاصة السائقين وأصحاب المخابز والتجار وأصحاب المصانع في ظل الانقطاع المتواصل للكهرباء، حيث أظهرت المؤشرات الاقتصادية التراكمية تراجعاً ملموساً سواء على صعيد حركة استيراد البضائع أو حركة البيع والشراء.
وأوضح نوفل أن حكومة التوافق أصدرت قرارً بمنع الازدواج الضريبي في قطاع غزة بحيث تم إلغاء أذونات الاستيراد على السلع، والجمارك الإضافية على السيارات، وكان من المتوقع أن يؤثر ذلك إيجابياً على النشاط الاقتصادي، ولكن المتابع للأوضاع الاقتصادية يجد تراجعاً خطيراً حيث استطاعت حكومة التوافق ربط التجار مباشرة مع وزارة المالية في رام الله، وبالتالي إعادة تصويب البيان الجمركي للمستودين ومن ثم زيادة الايرادات المتعلقة بالقيمة المضافة والجمارك مباشرة قبل وصول البضائع إلى قطاع غزة، علما بأنهم يتقاضون مبالغ اضافية على المعبر تسمى التعلية الجمركية.

