غزة- الرأي- عروبة عثمان
بوابةٌ وحيدة تتنفس غزة من خلالها وتشعِرها أنها ما زالت على قيد الحياة، لتخرجها من جوٍ تكثر فيه منغصات الحياة غير المحدودة إلى عوالم أخرى تقلّ فيها عوامل الموت، فتمد يدها للغزي الذي يمتد وجعه بقدر امتداد الحصار على بقعة ضيقة لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومتراً مربعاً.
إنها بوابة معبر رفح الفاصلة بين قطاع غزة المحاصر وجمهورية مصر العربية، التي تُسد بوجه غزة كل فترة، كي تعيد إنتاج صورة الحصار الخانق الذي يلتف حول رقاب الغزيين من حينٍ لآخر، ليصل لمرحلة شنق أرواحهم، لو بقيت تلك البوابة مغلقة بإحكام بوجوههم.
ولا تبدو أجواء شهر رمضان وعلامات الفرح على وجه غزة العابس في هذه اللحظات الحالكة، بعد أن بات مصيرها معلّقاً بذاك المعبر الذي يعد شريان الحياة الرئيسي لأهلها.
مرضى ومعتمرون وعالقون آخرون في غزة وخارج حدودها يتابعون بتلهف الشريط الإخباري على المحطات التلفزيونية لحظةً لحظة، علهم يلمحون خبر إعادة فتح معبر رفح من جديد، ليصبح بإمكانهم ترتيب أوراقهم وتوضيب أمورهم، لكن عبثاً المعبر مغلق حتى إشعار آخر.
المعتمرون: نفقت أموالنا
وتصحبكم "الرأي" في هذا التقرير إلى رحلة معاناة المعتمرين العالقين بمكة المكرمة وأهاليهم الذين سيضطرون لاستقبال شهر رمضان المبارك دون أن يلتموا مع أحبائهم على مائدة السحور والفطور.
وقال إياد سيسالم، أحد المعتمرين العالقين في السعودية لـ "الرأي": "وضع المعتمرين في غاية الصعوبة، خاصةً على الصعيد النفسي، حيث نشعر أن معبر رفح ستطول أيام إغلاقه، ما يضاعف إحساسنا بالتوتر والقلق لبعدنا عن زوجاتنا وأبنائنا".
ويستغل سيسالم وزملاؤه العالقون فرصة وجودهم في الأرض الطاهرة، فيقضون أوقاتهم في التقرب إلى الله أكثر فأكثر، بالدعوات بالإفراج عن كربهم والعودة إلى غزة بأقرب فرصة ممكنة، قبل أن يُصابوا بمرض الابتعاد قسراً عن أرضهم وأهلهم.
وأضاف سيسالم: "نفقت أموالنا، وانتهت كذلك حجوزاتنا في الفنادق التي تضمنها لنا مكاتب وشركات الحج والعمرة، ونجهل فعلاً ماذا عسانا أن نفعل لو لم يتم فتح المعبر خلال الأسبوع القادم"
وأثنى سيسالم على جهود وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، لمتابعتها أمر المعتمرين وتعهداتها لهم بالوقوف بجانبهم وعدم التخلي عنهم، حتى موعد حل الأزمة الراهنة التي تعصف بالجميع دون استثناء.
وأبرق سيسالم، الذي يرأس بعثة جمعية قطر الخيرية للمعتمرين، رسالةً إلى مصر بضرورة فتح معبر رفح وعدم المماطلة في ذلك، تجنباً من الرجوع إلى نقطة الصفر مجدداً وإتاحة الفرصة أمام مخلفات ومكونات نظام مبارك البائد للعودة إلى مسلسل التحكم بمستقبل قطاع غزة الذي لم يُشفَ بعد من داء الحصار.
وجه غزة عابس
وتحدثت "الرأي" مع زوجة سيسالم، هبة عكيلة، فقالت: "بعيش والله أنا وأولادي هالأيام على أعصابنا، خايفين كتير تطول قصة المعبر، وأولادي بضلهم يعيطوا بدهم أبوهم مش قادرين يتحملوا".
وأوضحت عكيلة أنها تعجز عن تحمل كل المسؤوليات بغياب زوجها، معربةً عن خشيتها من تفاقم الأوضاع الصحية والمالية لزوجها العالق في السعودية، خاصةً بعد أن توفي معتمر عالق أمس الاثنين، آملةً من الله أن تشعر بأجواء شهر رمضان بوجود زوجها ليضفي طعم الحلاوة على هذا الشهر الفضيل.
وبدوره، طمأن وزير الأوقاف والشؤون الدينية د.إسماعيل رضوان جميع المعتمرين قائلاً لـ"الرأي": "تواصلنا مع جميع شركات ومكاتب العمرة، واتفقنا على عدم إخراج المعتمرين من أماكن سكنهم إلا بعد ضمان مكان آخر مريح لهم".
وبيّن أن الوزارة تقدّم مساعدات عينية عاجلة للمعتمرين العالقين غير المقتدرين مادياً، مؤكداً تواصله مع الجهات المعنية بالسعودية ومصر للتدخل العاجل لإنقاذ حياة المعتمرين وضمان رجوعهم إلى غزة دون أي خسائر في الأرواح، بعد أن خطف الموت واحداً منهم.
وحذّر رضوان من الخطر المحدق بحوالي 1819 معتمراً عالقاً في السعودية، موضحاً عدم لمسه حتى اللحظة أي حراك جاد وفعلي لحل هذه الأزمة الراهنة.
وها هو رمضان قد طرق باب غزة، دون أن يفك الجيش المصري أسرها، ويشرع أبوابها على العالم الخارجي، فبقدر ما تحب غزة الحياة وتصر على التشبث بها إلى آخر نفس، تتعرض لخطر الموت في كل لحظة.

