أمس جاء رمضان، واليوم يُغادرنا، تعبت فيه الأجساد لترتاح الأرواح والنفوس والضمائر،استقبلناه بقلق بسيط لطبيعة التغيرات الفسيولوجية والسيكولوجية المُصاحبة،ونودعه بالدموع والحُزن، كيف لا وقد استنهض فينا همتنا، وفجر طاقاتنا،ووحد مشاعرنا، وألف بين قلوبنا، الناس فيه تعودوا على مضاعفة الطاعة، وزيادة الخير, وترابط العلاقات الاجتماعية، فوزع الطمأنينة، ونشر الألفة والمحبة، وقرب القلوب .
عشنا رمضانات عديدة من قبل، فيها دماء وقتل، ومنع تجوال، واعتقال وأسر وقيد، ولجوء وشتات، وتوقيف على الحواجز، ومبيت على الحدود والمعابر...لكن هذه المرة الاولى من قرن تقريبا التي نعيش فيها رمضان وسط مؤامرة خطف إرادة الأمة، والانقضاض على خيارات الشعوب العربية،والانقلابات على كل الثورات وانتفاضات الشعوب، شهر كامل بليله ونهاره عشناه مع مصر العروبة وهي تدافع في الميادين عن نفسها وتطلعاتها، شهر كامل رأينا المؤامرة في تونس، وخلط الأوراق في ليبيا واليمن، شهر كامل رأينا الدم السوري لم يتوقف، والدمار لحضارة أمة في دمشق وحلب وحمص وحماه لم تتوقف ...في أحقر عملية تدخل مركبة لإجهاض رغبات الشعوب في التحرر من التبعية والظلم . عاشت الامة في رمضان صراعا اشتد بين دورة حضارية يجب ان تتحقق وتحزب عالمي لوقفها ووأدها .
جاء رمضان وغادرنا وقلوبنا ترنو للقدس، وعيوننا تبكي حزنا على منعنا من الأقصى،أنسنا عبر الإعلام بصلوات الجمعة في باحات الأقصى، وبمسيرات العزة والكرامة، وبدروسه العلمية وبتراويحه وموائد القرآن، لقد اشتقنا للقدس والصلاة في الاقصى فعيوننا ذرفت الدموع على الفراق، وعقولنا تخيلت الجنبات والطرقات والمصليات والساحات والقباب والمآذن والأبواب، وقلوبنا نُقش فيها كلام الانتماء والوفاء والتمسك به ..لكنه ليس حزن اليائس ولا المستسلم ولا المتنازل، فإن لم نستطع الصلاة فيه ونحن أحياء، فقد اوصينا ذرياتنا بالصلاة فيه بعد التحرير والتطهير والدعاء لنا فيه .
تقبل الله من الجميع الطاعات، وفلسطين وشعبها بألف الف خير، والثورة العربية صامدة وهازمة للردة والانتكاس والانقلاب، عيد سعيد رغم الجراح على أمتنا وعلى شعبنا .

