تابع أبناء الشعب الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة يوم الجمعة الماضية، حدثين هامين حملا الكثير من الدلالات، ونجحا في إيصال العديد من الرسائل لأطراف داخلية وخارجية، أما الحدث الأول فهو مؤتمر وزارة الداخلية والأمن الوطني، الذي أعلنت فيه معلومات خطيرة عن مخطط استهداف أمن واستقرار قطاع غزة والجهات المتآمرة عليه، وتخلله اعترافات أحد العملاء للاحتلال بالمشاركة في هذا المخطط، أما الحدث الثاني فهو العرض العسكري المهيب الذي شاركت فيه أغلبية الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة شمال غزة.
وإن كان الحدثان منفصلين إجرائيا إلا أننا لا يمكن أن نغفل أن بينهما روابط وقواسم ورسائل مشتركة، وقد استفاض الكثير من المحللين والمتابعين في توصيف أهمية العرض العسكري من حيث التوقيت وقراءة دلالاته ورسائله الموجهة لمختلف الأطراف وعلى رأسها الاحتلال، بالتأكيد على وحدة المقاومة وبقائها على جاهزية عالية لمواجهة كافة التحديات، واستعدادها للتعامل مع أسوأ السيناريوهات، بوصفها حصنا قويا وسدا منيعا في وجه مخططات زعزعة الاستقرار والتلاعب بالجبهة الداخلية داخليا وخارجيا.
ما يعنيني هنا هو مؤتمر الداخلية الذي يحمل في طياته دلالات هامة ورسائل قوية، وأول هذه الدلالات: توقيت المؤتمر الذي جاء في وقت نشهد فيه حملة تشويه متعمد ومقصود ضد الشعب الفلسطيني وضد مقاومته، في تناغم واضح بين أهداف القائمين على هذه الحملة، وبين مصلحة الاحتلال في ضرب المقاومة، لذا جاء توقيت المؤتمر ممتازا ليضع النقاط على الحروف، ويجيب على تساؤلات كثيرة شغلت بالنا حول علاقة منابر بث الكراهية والتحريض ضدنا، والاحتلال، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، جاء المؤتمر بدليل دامغ في وقت مبكر يوضح طبيعة العلاقة الحقيقية بين دعاة التمرد في غزة، وبين الاحتلال ومن يقف معه، ليقيم الحجة على من قد يتورط في الاستجابة لهذا المخطط، بدعوى رفض الواقع المعيشي الصعب الذي نحياه نتيجة الحصار، فليس لأحد اليوم مبرر أو عذر فإما أن يقبل أن يكون أداة في يد الاحتلال، وبالتالي ينتظر مصيره المحتوم، أو يعود لجادة الصواب وللصف الوطني، قبل فوات الأوان.
أما ثاني الدلالات التي يجب أن تقرأ -واعتقد جازما أن الاحتلال قرأها جيدا- هي أنه بقدر التآمر على غزة، وبقدر تعدد الجهات والأطراف المتآمرة، جاءت يقظة الأجهزة الأمنية الفلسطينية هنا في قطاع غزة، واستعدادها وقدرتها على ضرب مخططات زعزعة أمن واستقرار الجبهة الداخلية، فأثبتت في كل مرة أن الغلبة لها في صراع الأدمغة والعقول، مادامت تأخذ بأسباب القوة وتبقي على حالة اليقظة والانتباه، وما جولات الفشل المتلاحق التي مني بها الاحتلال استخباريا، إلا دليلا عمليا على هذا الكلام. وثالث الدلالات التي يمكن قراءتها في مؤتمر الداخلية هو ما وصل إليه البعض في الساحة الفلسطينية من تدني وانحطاط في القيم والمفاهيم الوطنية، فبات يرى في أبناء شعبه عدوا يجب العمل ضده، وفي الاحتلال صديقا يجب معاونته، وهذه النتيجة ما كان ليصل لها أي فلسطيني لولا ما تقوم به سلطة رام الله وأجهزة أمنها من تنسيق أمني مع الاحتلال وتدريبات عبر المنسقين الأمريكان، لزراعة مفاهيم جديدة غريبة عن ثقافتنا المقاومة، وليس غريبا أن يكون التنسيق مشتركا مع الاحتلال، حيث يقود هذه الشبكات التي تهدف لإثارة القلاقل واغتيال شخصيات وطنية رجال أجهزة أمن السلطة في رام الله.
في حين تأتي على رأس الدلالات المهمة التي جاء بها مؤتمر الداخلية "تصحيح المفاهيم"، فما ورد على لسان العميل في اعترافاته للمؤامرة بوصفها تستهدف "نزف الدماء لركب"، وتأكيده أنها مؤامرة متكاملة الأركان يشارك فيها الاحتلال، مع أجهزة أمن السلطة، وأجهزة مخابرات عربية تهدف للقضاء على المقاومة، ولكن بيد فلسطينية مشبوهة وعميلة، وليس كما يظن البعض أو يدعي أو يحاول أن يصور بأن الدعوة للحراك ليس إلا تعبير عن حالة غضب أو تنفيس نتيجة الأزمات المعيشية المتتالية التي يحياها قطاع غزة نتيجة الحصار.
مؤتمر الداخلية الذي أفصح عن معلومات مهمة في هذا الوقت الحرج، يضع الأمور في نصابها الصحيح ويسمي الأمور بمسمياتها، فلا مجال للحديث عن أية تهاون أو تقصير في متابعة ومحاربة هذه التحركات التي تهدف لإعادة إنتاج الفوضى وعودة الانفلات إلى قطاع غزة، ولتضرب الداخلية بيد من حديد كل من تسول له نفسه خدمة مصلحة الاحتلال وتنفيذ سياساته وتطبيق أجنداته، فلسطينيا كان أو غير ذلك.

