أخبار » مقالات

أيلول الأسود!

16 تشرين أول / سبتمبر 2013 11:42

يحفل شهر سبتمبر أيلول في الذاكرة الفلسطينية، بأحداث تاريخية جسيمة عصفت بالشعب الفلسطيني، وذكريات أليمة لمجازر ومذابح تنكأ الجراح والأوجاع، ومؤامرات خيانية متعددة هدفت للمس بصمود هذا الشعب المجاهد، وقرارات أممية مجحفة للتفريط في حقوقه، حتى اعتبر هذا الشهر فلسطينيا رمزاً للتشاؤم أو شهراً أسوداً في تاريخ القضية والشعب الفلسطيني، لما تحمله ذكرياته من إخفاقات سياسية ومجازر ومؤامرات، ولما شهدته أيامه من وقائع دامية وأحداث كبيرة ومواقف مخزية.

 ففي 11 سبتمبر 1922م أقرت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين بشكل رسمي على أساس وعد بلفور، وبعدها بأيام وضع مشروع صك الوصاية على فلسطين موضع التنفيذ والإجراء؛ لتدخل فلسطين طورا مظلما من القهر والعذاب والإجراءات المجحفة لتسهل بعد ذلك إقامة كيان الاحتلال على أنقاض الانتداب. وفي أيلول 1970م تعرضت الفصائل وأبناء المخيمات الفلسطينية المتواجدة علي الأراضي الأردنية، إلى هجوم من قبل الجيش الأردني بأوامر من الملك حسين، وأدى الهجوم إلى مقتل عدد كبير من الفلسطينيين ونزوح أعداد أخرى إلى لبنان، فيما عرف وقتها بأحداث أيلول الأسود، وبهذا العمل ضعفت القدرة القتالية للفلسطينيين بشكل كبير، وفقدت المقاومة نقطة الارتكاز الرئيسة وساحة العمل المقاوم الأساسي وقتها.

 وفي عام 1982م ترك أيلول جرحا عميقا في نفوس الفلسطينيين، إذ أقدم جيش الاحتلال بقيادة ارييل شارون في مثل هذا اليوم وبالتعاون مع عملائه في لبنان بالهجوم علي مخيمي صبرا وشاتيلا، لينفذا معا مجزرة وحشية قتل خلالها آلاف الأبرياء العزل من النساء والأطفال بشكل بربري، لتبقى هذه الجريمة شاهدا حيا على همجية وسادية الاحتلال وأعوانه من جهة، وعلى صمت وتخاذل الدول العربية والإسلامية من جهة أخرى.

 وفي حلقة من حلقات النضال التي أثبت فيها شعبنا تمسكه بأرضه ومقدساته، انطلق الشعب الفلسطيني بكل فئاته في الخامس والعشرين من شهر أيلول عام 1996م، بهبة فاجأت العالم قبل أن تفاجئ الاحتلال ردا على فتح سلطات الاحتلال لنفق أسفل المسجد الأقصى المبارك، لتستمر المواجهات في"هبة النفق" على مدى يومين في كافة المدن والقرى الفلسطينية، وليرتقي خلالها 87 شهيدا.

 

وفي ذات الشهر من عام 2000م، اقتحم الإرهابي شارون وقوات الاحتلال المسجد الأقصى المبارك، فهب المصلون لمنعه من الوصول إلى المصلى المرواني، وشهدت باحات المسجد الأقصى مواجهات عنيفة أسفرت عن استشهاد وإصابة عدد من المصلين، لتعم المواجهات والتظاهرات مختلف المناطق الفلسطينية، مبشرة بانطلاق انتفاضة الأقصى المباركة.

 

 وشهد هذا الشهر أيضا مد القادة العرب يد الاستسلام للعدو الصهيوني، ليفتحوا باب البؤس والشقاء علي الشعب الفلسطيني، ففي عام 1978م وقع الرئيس المصري السادات معاهدة كامب ديفيد مع المجرم بيجين، لتخرج مصر من دائرة الصراع مع الاحتلال، ولتشكل هذه المعاهدة انعطافة في مصير ومستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، وبداية مرحلة التخلي والنكوص العربي عن دعم الحق الفلسطيني.

أما شهر أيلول لعام 1993م فكان أشد الشهور كارثية في تاريخ الشعب الفلسطيني، فيه اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية رسميا بالكيان الصهيوني ووقعت اتفاق أوسلو، لتدخل القضية الفلسطينية نفقا مظلما من المفاوضات العبثية لم تخرج منه حتى يومنا هذا، ولم ينه الاتفاق ومفاوضاته حالة الصراع كما أريد منه؛ وإنما قضى على حلم بعض الفلسطينيين بإقامة الدولة على أراضي العام 1967م، في ظل مضاعفة الاستيطان وتغييب القضايا الوطنية الكبرى، واستغلاله "إسرائيليا" في تمرير مشروعها الاستعماري في فلسطين.

 

حقيقة يقف المتتبع للشأن الفلسطيني حائرا متسائلا عن أسباب وقوع هذه الأحداث جميعها في هذا الشهر بالتحديد، وهل هي المصادفة التاريخية البحتة؟ أم أقدار الله عز وجل بأن يكون للشهر رمزية معنوية بوصفه يلخص التغريبة الفلسطينية، ويختزل في تفاصيل مناسباته الواقع المر والمظلومية التاريخية لهذا الشعب، أو أن للأمر دلالات ومآرب في نفوس صانعي أحداثه، وأيا كان السبب فإن المؤكد أن هذا الشهر الحافل بالأحداث والوقائع، سيبقى محفورا بسواده وتشاؤمه في ذاكرة الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، سيما وأن نكباته ومفاجآته ربما لم تنفذ بعد.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟