جاءت تصريحات السفير الفلسطيني في القاهرة بركات الفرا لتشكل لطمه جديدة، لا أقول للشعب الفلسطيني ولكن لهذه السلطة التي تثبت يوما بعد آخر أنها منعزلة عن شعبها، وغير معنية بمعاناته وآلامه وآهاته، ولا تلتفت إلا لمصالحها الخاصة، ولا تنظر إلا بعين الرضا "الإسرائيلية"، ولا هم سياسي واقتصادي لها كأولوية تسخر له كافة إمكاناتها، إلا التنغيص على أبناء قطاع غزة.
فتصريحات الفرا تجعلنا نتساءل: بأي صفة يحدد هو موعد وآلية فتح معبر رفح؟ وهل وصلت إلى مسامعه النداءات والاستغاثات التي خرجت من حناجر آلاف العالقين المضطرين لمغادرة قطاع غزة، من المرضى المهددة حياتهم بالخطر، والطلبة الخائفين على مستقبلهم التعليمي، وأصحاب الاقامات المهددين بفقدان أماكن إقامتهم ومورد أرزاقهم؟ وهل صمت السلطة وسكوتها يعد موافقة على ما ورد على لسان سفيرها؟ ولماذا لم تجرم هذه التصريحات من الجهات المختلفة التي عابت على غزة موقفها المؤيد للشرعية في مصر؟ رغم كونها تمسهم وتمس حقهم الطبيعي في التنقل والسفر، ورغم إنها أي التصريحات تمثل قمة التدخل في شان داخلي مصري بحت.
تصريحات سفير السلطة تحمل في طياتها إساءات لأطراف عديدة: أولها للسفارة التي يقف على رأسها، والتي يفترض أن مبرر وجودها هو حل الإشكالات التي تواجه الشعب الفلسطيني في مصر وليس العكس، كما تسيء للجانب المصري مباشرة من خلال عدم احترام تبعية المعبر من الجهة المصرية، وكأن السلطات المصرية على المعبر تأتمر بأوامر السفير وتنفذ تعليماته، وكذا تسيء لسلطة رام الله التي وضعت هذا السفير في مكانه، ناهيك أنها تسيء لعمق العلاقة التاريخية الأخوية بين الجارين الشقيقين.
السلطة في رام الله مطالبة بتوضيح موقفها من هذه التصريحات، والرد عليها بإجراءات عملية يمكن أن تحفظ ماء وجهها، وتبدأ هذه الإجراءات بإقالة السفير من منصبه، والتدخل الجدي لدى السلطات المصرية لإنهاء معاناة العالقين حاليا، والتعالي عن حالة المناكفة السياسية بالاستجابة للمبادرة المسئولة التي طرحتها الحكومة في غزة، بتشكيل إدارة مشتركة لمعبر رفح وفقاً لرؤية وطنية خالصة، بعيدا عن اشتراطات تفاهمات2005م، بما يضمن عودة عمل المعبر بالشكل الطبيعي.
فالأصل في معبر رفح أن يظل مفتوحا على مدار الساعة، ليسهل حركة المسافرين وحتى البضائع بين الشقيقين المصري والفلسطيني، لا أن يبقى مغلقا ويفتح استثنائيا لساعات قليلة، وبالرغم من التفهم الفلسطيني التام -شعبيا ورسميا- وتقديرنا لكافة المبررات والذرائع الأمنية التي تسوقها الجهات المصرية، وأسفنا وحزننا على حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الأراضي المصرية حاليا، إلا أنه من حقنا عليهم أن يتفهموا معاناة أكثر من مليون وثمانمائة ألف مواطن جراء إغلاق المعبر، ومن واجبهم تجاهنا أن يستمعوا لتساؤلات مثارة في أذهان الناس من قبيل: لماذا لا تنعكس الحالة الأمنية إلا على معبر رفح دون غيره من المعابر المصرية؟ ولماذا تشهد المعابر المصرية الأخرى حتى الموجودة في سيناء حركة عمل اعتيادية؟ ما إن تخبو أزمة معبر رفح حتى تعود لتطفو على السطح من جديد، فذلك المعبر وبما يمثله من رئة وحيدة يتنفس منها قطاع غزة، وممر أوحد يمارس الفلسطينيون في قطاع غزة عبره حقهم الطبيعي في حرية التنقل والسفر التي كفلتها كافة المواثيق والأعراف الدولية، ذلك المعبر يشهد حاليا واقعا ربما يعد الأسوأ منذ افتتاحه في العام 1982م، وبعد أن طوي الفلسطيني صفحات تاريخ أسود لمعاناته في المعبر، تعّود أن يكون سببها هو الاحتلال أو نظام حكم لفظه شعبه، جاء الفرا ليعلن بتصريحاته أن فصول المعاناة الجديدة على المعبر موسومة بقرار ورغبة فلسطينية.

