تمر على شعبنا الفلسطيني هذه الأيام ذكرى انتفاضة الأقصى، التي اندلعت مباشرة بعد أن دنس شارون بقدميه المسجد الأقصى في العام2000م، لتكون نقطة مضيئة وعلامة فارقة في تاريخ شعبنا الفلسطيني ومقاومته، تمر هذه الذكرى اليوم وما زال شعبنا يبدي المزيد من القدرة على المقاومة والصمود، مهما بلغت التضحيات واشتدت التحديات، ومهما قدم من شهداء وجرحى وأسرى، فلا الحصار الظالم يفت من عضده، ولا التهويد والاستيطان وانتهاك المقدسات يقوض من عزيمته، تمر هذه الذكرى وسط مطالبات ودعوات لإطلاق انتفاضة جديدة في وجه الاحتلال، في حين يؤمن آخرون أننا ما زلنا نعيش فصول هذه الانتفاضة المتجددة التي لم تنته.
وأيا كان الأمر، فإن الدفاع عن الحق الفلسطيني بشتى الوسائل أمر مشروع تكفله كل المواثيق والأعراف، وانتفاضات شعبنا المتتالية لها دلالات بالغة الأهمية، فهي النبض الطبيعي الذي يسري في الجسد الفلسطيني ليكشف زيف الاحتلال، ويزيل الوهم المترتب على إمكانية التعايش مع كيان مجرم غاصب يذبح ويسفك الدماء لنيل مصالحه وتحقيق أهدافه الاستعمارية، فثورات الشعب الفلسطيني الممتدة عبر التاريخ تؤكد حقيقة براكين الغضب المتأجج تحت أقدام الاحتلال، حتى لو راهن البعض على خفوتها أحيانا، فسرعان ما تلقي بحممها وسعيرها من جديد.
يشهد تاريخ الشعب الفلسطيني على العديد من الثورات والانتفاضات، وتحفل الذاكرة الوطنية بهبات ووقفات شعبية، هدفت جميعها لرفض الظلم والإذلال وعدم الخنوع والاستسلام، وصولا للهدف الأكبر المتمثل في نيل الحرية والانعتاق من نير الاحتلال، منذ ثورة النبي موسى (ثورة العشرين)، وحتى انتفاضة الأقصى الحالية، مرورا بثورة يافا، وثورة البراق، وانتفاضة أكتوبر، وحركة الشهيد عز الدين القسام، والثورة الفلسطينية الكبرى، ومظاهرات يوم الأرض، وانتفاضة الحجارة، وهبة النفق...
وعلى مدار السنوات السابقة من عمر انتفاضة الأقصى، فشل الاحتلال الذي ترعاه الإدارة الأمريكية ويسانده العديد من الأطراف القريبة والبعيدة، فشل هؤلاء جميعا في تصفية القضية الفلسطينية، حيث وقف شعبنا - وما زال - سدا منيعا أمام كل محاولات تصفية القضية، ووقف بصموده وثباته وتضحياته جسرا حصينا أمام المؤامرات التي تحاك ضده، ولقد سطر شعبنا بشهدائه وجرحاه وأسراه ومقاوميه، بدمائه وآهاته ومعاناته وصموده أروع ملاحم البطولة والفداء خلال انتفاضة الأقصى، وكانت رسالته واضحة جلية، مفادها أننا شعب يرزح تحت نير الاحتلال ولا يمكن أن نتنازل عن حقوقنا وثوابتنا وقضيتنا العادلة.
واليوم وبعد ثلاثة عشر عاماً، تمر ذكرى اندلاع هذه الانتفاضة والتحدي مازال قائما بين إرادة الصمود والثبات التي هي جذر متأصل في الشعب الفلسطيني، وبين وهم وجبروت الاحتلال الذي مازال يمارس قمعه وإرهابه وإجرامه، وتجاربنا التاريخية علمتنا إن الانتفاضات هي موجات متتالية من ممارسة الفعل المقاوم بشتى أنواعه، تبعا لظروف ذاتية تمر بها حركتنا الوطنية، أو ظروف موضوعية يحياها شعبنا، فهل نشهد حاليا نضوج هذه الظروف لتؤدي لموجة انتفاضية جديدة؟!

