بالتزامن مع حلول ذكراها التاسعة، عادت قضية استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات لتطفو على سطح التداول الإعلامي والرسمي والشعبي، بعد إعلان نتائج التحقيقات التي أجرتها هيئات ومختبرات روسية وسويسرية مختصة، باستبعاد فرضية الموت الطبيعي لتقدم السن أو المرض وترجيح استخدام "البولونيوم 210" كمادة سمية أدت للوفاة، بعدما وجدتها في ملابسه وأغراضه الشخصية بمقاييس أعلى بكثير من المعتادة، وبمعدلات تصل ل18 مرة ضعف المعدلات الطبيعية.
أبو عمار الذي استشهد عن عمر يناهز 75 عاماً، لم يكن يعاني من أية مشاكل صحية مزمنة، ولم يكن مدخنا أو شاربا لأية مشروبات محرمة، وعليه تبين نتائج التحليلات التي أجريت في هذه المختبرات السبب المباشر للوفاة وهو التسمم الإشعاعي بـ "البولونيوم"، ولأن الشعب الفلسطيني يعلم يقينا أن الاحتلال هو من قتل عرفات وهو من يتحمل المسئولية الأولى عن هذه الجريمة، فإن أسئلة أخرى تبقى بلا جواب من قبيل: كيف نفذت عملية الاغتيال؟ ومن هو القاتل الذي دس السم للرئيس؟ ومن هم شركائه في الجريمة الذين سهلوا له الأمر؟ولماذا تتلكأ السلطة حتى اللحظة في الكشف عن هذه الجريمة؟بل ولماذا تأخرت أصلا في فتح ملف الاغتيال؟!
هذه الأسئلة وغيرها الكثير تجعل السلطة وحركة فتح في دائرة الاتهام سيما وإنها المعني الأول الذي يفترض أن يسعى لكشف ملابسات جريمة الاغتيال، ولكن تعاملها بالتسويف وتضييع الوقت على مدى السنوات التسع الماضية يدخل الشك في نواياها وحقيقة رغبتها في الكشف عن تفاصيل الجريمة، وهو ما يجعل من مطلب تشكيل لجنة شعبية وفصائلية بمظلة دولية أمرا هاما لكشف الحقائق والحصول على الإجابات التي ينتظرها الشعب الفلسطيني.
لقد عانى ياسر عرفات على مدى سنوات سبقت اغتياله من حصار إسرائيلي وتآمر أقرب المقربين له، وتخاذل النظام العربي، وتواطؤ المجتمع الدولي، وعندما أطلق جملته الشهيرة "يريدونني إما قتيلا وإما طريدا.." كان يشير لنا بوضوح إلى قتلته، وواقعه المعاش يخبرنا بشكل دقيق من هي هذه الجهات وما الأدوار التي تقوم بها لتحقيق رغباتها، وكلنا يتذكر كيف حاولت جهات فلسطينية معلومة التآمر على الرجل بشكل علني ومفضوح تمهيدا لتبوأ مكانه ومكانته بعد إزاحته من المشهد بأي شكل كان.
ونتذكر كيف تنكرت له الأنظمة الرسمية العربية ورفضت حتى مشاركته في القمة العربية بكلمة مصورة، بعدما قبلت وأقرت بحصاره، ولم ننس المواقف الإسرائيلية والأمريكية المعلنة التي عبرت بشكل واضح عن انتهاء دور الرجل، لتفسح مجال المضاربة للراغبين في خلافته بإبداء فروض الطاعة والولاء لمن بيده مقاليد الرضا أو الرفض، كل ذلك يثبت أن الرجل قد اغتيل قبل موته بفترة طويلة، وقد أوصلت هذه الجهات مجتمعة القاتل إلى اللحظة التي دس له السم فيها.
لقد شغلنا كفلسطينيين بالسؤال الخطأ سنوات طويلة، فنحن لا يعنينا كثيرا الطريقة التي قتل بها الرجل –طالما أننا نعلم يقينا أن الاحتلال هو قاتله-بقدر ما يعنينا الكشف عمن سهل وشارك في قتله من المحيطين به، ليفضحوا حقيقة المؤامرة التي اقترفت بحق الرجل في أيام حياته الأخيرة، والوفاء لدمائه لا يكون إلا بتقديم قتلته جميعا لمحكمة الشعب وفيها يكون القضاء.

