في مثل هذه الأيام قبل سنوات خمس كان عدوان الفرقان على غزة العزة يطوي أيامه الأخيرة لتسجل غزة صفحة مشرقة في تاريخ المجد العربي.
حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الشعب وتنكر القريب والبعيد عنه، وقدموا نموذجاً في الصبر عز نظيره وفاق الخيال في الاحتمال دون أن يُبدي صلى الله عليه وسلم انكساراً أو إشارةً للتراجع.
كما تم حصاره صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة بجيش من الأحزاب مع تآمر ومكر يهودي، فكان يقتات إلى جوار الصبر بإرادة القتال والمقاومة والاستعداد الدائم لرد العدوان وطرد المعتدين.
انتهى حصار مرحلة الاستضعاف إلى هجرة فتحت آفاق بداية التمكين، وانتهى حصار الأحزاب إلى الانتقال من مرحلة الاستهداف والدفاع إلى مرحلة الاستقواء والهجوم.
وفي حصار العراق الذي استمر سنوات طوال رفع الرئيس الراحل صدام حسين شعار "تباً للمستحيل".
والحصار الكوبي منحنا خبرات قابلة للتعميم إنسانيًّا تخطت إطار الأيدلوجيا حين قدم نموذجاً في التحايل والالتفاف وإتقان السياسة (فن الممكن) في مواجهة الغطرسة الأمريكية.
ونحن مطالبون بدراسة نماذج الحصار في التاريخ من أجل العبرة والعظة " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ" (يوسف:111).
وغزة اليوم تنتصر على الحصار بذات المنهج ونحن نبني اقتصاد الصمود في مواجهة غطرسة الحصار الظالم المجرم.
"حاصر حصارك".. قالها شاعرنا "محمود درويش" لترن في آذاننا ونحن نقلب كل حجر في الأرض نبحث فيه عن خبرة مقاومة ومواجهة لحصار الطغاة والمحتلين، لكن لابد أن يتوازى معها معزوفات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية تجري على الأرض وتحدث فعلها المتين وأدائها الرصين المتناغم بعيداً عن عاطفة جياشة تقزم الأخطار أو تبالغ في الإمكانات والإنجازات.
صمدت غزة ضد العدوان في الفرقان، وانتصرت على السجان في وفائها للأحرار، ورمت المحتل بحجارة من سجيلها.
في مرحلة الحصار من المجدي زيادة تفعيل قطاع الزراعة والاستفادة القصوى من أراضي المحررات في إنتاج كل ما يمكن أن يقوت شعب يخضع للحصار ويُطارد بلقمة العيش. وربما يوفر ذلك فرص لا بأس بها في إسهام جاد في تقديم حلول للبطالة واستفحالها، ويساهم ذلك في بناء قطاع المزارعين الذي خضع لخسائر فادحة أثرت إحجاماً عن مواصلة الزراعة ورغم ذلك نهض الجواد قليلاً من كبوته، وتمثل الزراعة حصان طروادة قهر الحصار.
ومع بناء مدروس لاقتصاد الصمود خاصة عبر برامج المشاريع الصغيرة، ينبغي التعاضد مع المضي بخطى حثيثة ومترابطة وفق مخطط علمي خاصة في قطاع الصحة مع تقديم أعلى مستوى خدمه في ميدان التعليم من أجل الاستمرار في بناء الإنسان الفلسطيني على أسس من الإيمان والوحدة والعزة والإعداد، وتخريج الفتوة2 إشارة البدء لمنهج عمل عليه أن يتكامل ويتواصل على طريق صلاح الدين.
مع الاستمرار في تنفيذ البرامج الاجتماعية من أجل استيعاب كافة الآثار المترتبة على الحصار في صيانة دائمة دائبة للنسيج الوطني الفلسطيني خاصة عبر برامج جدارة والتشغيل المؤقت وصندوق دعم الشباب.
ومشاريع الإعمار لغزة بعد جولتي التدمير في عدوان الفرقان وحجارة السجيل مع إعادة بناء وترميم البنية التحتية وخاصة شارعي صلاح الدين والرشيد من خلال المساهمة القطرية الخيّرة. عدا عن ذلك عشرات مشاريع البنية التحتية التي يتم افتتاحها يومياً تمثل عنوان انتصار غزة على الحصار.
ويمثَّل الانتصار الأمني معلماً بارزاً في مسيرة " مواجهة الحصار" عبر الاستقرار وتأمين الجبهة الداخلية وملاحقة فلول العملاء وتعزيز الأمن الاجتماعي. وقد أثلج صدر شعبنا عرض الفرقان في ذكرى رحيل الوزير الشهيد الهمام سعيد صيام ليؤكد مستوى الجاهزية لوزارة الداخلية رغم آلاف الشهداء وشح الإمكانات.
ويتوج كل ذلك الثبات في ملاحم المواجهة القادمة على غرار الفرقان ، وتعضيد البناء المعنوي والنفسي في ملحمة " وفاء الأحرار"، ويتوج ذلك الانتصار على غرار " حجارة السجيل" على طريق ملاحم التحرير القادمة. و كانت عروض المقاومة في ذكرى الصمود مؤشر الجاهزية ومواصلة الإعداد.
أثبتت غزة أنها قادرة على فك أحجية الحصار في مراحل سابقة واستثمار إمكانات وقدرات شعبنا مع إدارة رشيدة للشأن الداخلي والخارجي في استثمار لأوراق القوة و مازالت على الطريق.
المشوار في هزيمة الحصار صعب طبعاً، ولكن الرهان على اقتصاد متطور ناهض وغير مرتبط بالاحتلال، مع المزيد من الصبر الجميل والترابط الاجتماعي والمقاومة والجهاد مع توظيف متقن للحلول الإبداعية سيحقق نصرا حاسماً.

