لم يكن الشهيد القائد المربي الداعية خليل القوقا (أبو إياس) رجلاً عادياً، أو شخصية صماء، بل كان رجلاً من نوع آخر، ومن طراز تربوي وفكري فريد، تشرق الابتسامة دوماً على وجنيه، وفي مقلتيه ثورة إيمانية وضاءة، دوما يخاطب القلوب قبل العقول بالمحبة والمودة والأسوة الحسنة، حمل همّ الدعوة مبكرا، حمل في قلبه وعقله ووجدانه القضية الفلسطينية المقدسة والثورة ضد الاحتلال الصهيوني .
كان المربي الكبير أبو إياس القوقا يمثل مصدر قوة وإلهام لشباب الدعوة الإسلامية وشيوخ ورجالات الحركة الإسلامية في فلسطين، فقد جسد هذا القائد الهمام ورسم معالم تحرير أرض فلسطين ، من خلال محاضراته الدعوية، وخطبه الرصينة ولقاءاته بالشباب والشيوخ وعموم الناس في مسجد الشاطئ الشمالي وفي كافة مساجد غزة قاطبة كان لا يكّل ولايمّل من خدمة دين الله ودعوة الخالدين .
لقد كان المربي الفاضل شهيد الإبعاد والغربة والداء أبو إياس ترتسم في عقله فلسطين الأرض والوطن والإنسان والحضارة والتاريخ وكان دوماً يردد للشباب والفتية الصغار -في المخيمات الصيفية- عبارة مركزية في حياته وهي " التحرير .. معركة حضارة وتاريخ "، لقد كان نعم الأب الحنون والقائد المربي والداعية الهمام يجمع حوله الشباب ويحدثهم عن فلسطين الأرض والتاريخ والجذور يحدثهم عن صفد، ويافا، وأسوار عكا، وفتح القدس زمن الخليفة عمر بن الخطاب وتحرير المسجد الأقصى المبارك زمن الناصر صلاح الدين.
لقد كانت فلسطين دوما حاضرة في فكر ووجدان المربي أبي إياس، لقد كان بناء الجيل الدعوي الشباب وتربيته على الأخلاق الحسنة الهّم الأكبر لهذا الداعية الذي تربي وتتلمذ على يديه قيادات الحركة الإسلامية في قطاع غزة وأصبحوا الآن هامات في الفكر والقيادة والإدارة والعمل القويم .
قال عنه الشيخ القائد إسماعيل عبد السلام هنية رئيس الوزراء كلمات قال فيها " لقد عرفته (رحمه الله) مبكرا، إذ كنا نستمع إلى دروسه وخطبه ونتابع نشاطاته، ومازلت أتذكره إبان الثمانينات وهو يطوف على مساجد الشاطئ المحدودة في ليلة القدر يوم أن كان عدد المصلين القائمين فيها لا يتجاوز العشرة أو العشرين، ومازلنا نتذكر خطبه على منبر المسجد الشمالي، ثم لقاء ما بعد الصلاة يجيب فيه على أسئلة الشباب حول آخر المستجدات، ولقد أكرمني الله سبحانه وتعالى مبكرا بتجويد تلاوة القرآن، وكنت أشارك في الافتتاح، وكان أبو إياس رحمه الله يقول سنستمع الآن لتلاوة الشيخ " الطبلاوي " .
وأضاف القائد هنية في كلمته عن المربي القوقا : " هي محطات مرحلة التأسيس كان هو أحد أعمدتها وروّادها حيث طاف البلاد شرقاً وغربا وشمالا وجنوبا وأسهم في زرع شجرة الدعوة الإسلامية داخل أراضي ألــــ (48)، وخاصة في النقب (بئر السبع)، حيث كان له درس أسبوعي في تلك الديار العزيزة من أرض فلسطين، وما زلت أتذكره وهو يقف أمام فرق المساجد الرياضية في صبيحة سداسيات الربيع يوجه كلمته في هذا اليوم الرياضي الذي دشنته الجمعية الإسلامية، وما زلت أتذكره وهو يأتينا في المخيم الصيفي الذي كان يقام على أرض ( المطينة ) في شمال المخيم ويوجه كلماته للشباب تعزز فيهم روح الانتماء وحب العقيدة والوطن، لم يعرف الفقيد القوقا الراحة والسكينة بعد الإبعاد، مع توافر أسبابها له، فطاف في البلاد قاطبة منها مصر والكويت، ودول الخليج يشرح فكره ودعوته ويدعو إلى الثورة على الاحتلال، ومواجهته بالقوة لإجباره على الانسحاب من غزة والضفة وكامل تراب فلسطين، وقد أثمرت دعوته بعد سنوات بخروج المحتل من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات الصهيونية.
كلمة القائد هنية خرجت من رجل يدرك معنى صناعة التاريخ ومن يصنع التاريخ ومن التاريخ يصنعه، وقد كان المربي الفاضل أبو إياس القوقا رحمه الله يصنع التاريخ تاريخ الدعوة والتربية والفداء والنضال والثورة على الاحتلال، ونخجل نحن الصغار في مقامة أصحاب الفكر العالي والمنارات الدعوية عندما نتحدث عنهم لكن رسالتنا تدفعنا للحديث عن هؤلاء الرجال العظام لنقل تاريخهم الدعوي الثوري للأجيال المتعاقبة.
لقد ولد المربي أبو إياس القوقا (رحمه الله) في قرية حمامة بفلسطين عام 1946م وهاجر مع أسرته قسرا في نكبة عام 1948م، ولقد نشأ وترعرع في أحضان أسرة إسلامية ملتزمة عاش بين أزقة وشوارع مخيم الشاطئ للاجئين هذا المخيم الذي أذاق جنود الاحتلال الويلات جراء قذف أشباب المخيم بالحجارة و( زجاجات الملوتوف) على جيبات الجنود الصهاينة، لقد كان المربي القوقا أحد مؤسسي المسجد الشمالي في الشاطئ، وقد أسس مع الإمام الشهيد أحمد ياسين الجمعية الإسلامية وأحد مؤسسي الجامعة الإسلامية وحركة حماس، وهو خطيب مفوه وفارس منابر، اعتقلته سلطات الاحتلال الصهيوني العديد من المرات كان أخراها في 28-12-1987م، وأبعد مرتين أولاهما من قبل جنود الاحتلال الصهيوني إلى جنوب لبنان في 11-4-1988م بتهمة إشعال الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى عام 1987م ثم تم إبعاده إلى مصر الكنانة ثم إلى دولة الإمارات الشقيقة، هو سفير حركة حماس للعالم وفي الإبعاد، وهو شهيد الإبعاد والغربة والداء في دولة الإمارات العربية المتحدة في السادس والعشرين من شهر أكتوبر/ تشرين أول لعام 2005م .
رحم الله شيخنا الكبير المربي شهيد الإبعاد أبا إياس القوقا وعوض فلسطين خيرا ،

