في العالم العربي ( تمييز عنصري). الاتهام غريب!. الغرابة قادمة من نقص في المفهوم. في جنوب أفريقا كان التمييز العنصري على أساس لون البشرة من ناحية، وعلى قاعدة العرق من ناحية ثانية. صاحب البشرة البيضاء والعرق الأوروبي يملك، ويحكم، ويقود، فهو السيد بلا منازع، وصاحب البشرة السوداء والعرق الإفريقي يخدم ولا يملك، ويخضع ولا يقود، فهو العبد التابع لسيده.
وفي دولة الاحتلال الصهيوني تمييز عنصري، يقوم على قاعدة الشعب المختار، والموت للعرب، فهي قاعدة تجمع بين الدين والجنس. وقد جسد جدار الفصل العنصري جانبا من جوانب التمييز العنصري المتعددة الأشكال. في فلسطين المحتلة أحزاب عربية فلسطينية تقوم على قاعدة المطالبة بالعدل والمساوة، وترفع شعار الدولة لكل مواطنيها، أي للفلسطيني واليهودي، ونيتنياهو يطالب بدولة يهودية، ويعتزم سن قانون يحدد طبيعة دولة الاحتلال بأنها دولة يهودية. وعليه فإنه لا حق لما مجموعه هذا العام ٢١٪ من سكان فلسطين المحتلة في الدولة والمجتمع.
وفي الدول العربية تمييز عنصري من نوع آخر، يقوم على قواعد من القطرية السقيمة، رغم وحدة الدين، ووحدة اللغة؛ ولكن، لستُ معنيا في هذا المقال بهذا النوع من التمييز العنصري، ولكني معني بالتمييز العنصري القائم على قواعد إعلامية، بمناسبة اليوم العالمي للصحافة الذي حلت ذكراه السنوية أول من أمس في ٣/٥/٢٠١٤. في مثل هذا اليوم من كل عام تحتفل وسائل الإعلام المختلفة باليوم العالمي للصحافة، وفيه يستعرض المحتفلون مسيرة عام كامل من حياة أصحاب المهنة. يذكرون الشهداء، والمعتقلين، والجرحى، ويناقشون الحريات في البلاد العربية وغير العربية، ويقصّون على المتلقين متاعب صاحبة الجلالة، ويذكرون الحكومات والدول بالقوانين الدولية التي تحمي الصحفيين والإعلاميين.
استمعت إلى تغطية الجزيرة لمشاهد هذا اليوم العالمي، وأحسبها قد أجادت في الانتصار لموظفيها المعتقلين في مصر وبالذات: عبدالله الشامي، والأجانب الثلاثة من طاقم الجزيرة باللغة الإنجليزية. من حق الجزيرة أن تستفيد من اليوم العالمي لتضغط على السلطات إعلاميا لإطلاق سراح الشامي وغيره، فهذا أقل الواجب في تحمل المسئولية. ولكن هذه التغطية كشفت في هذا اليوم عن تمييز عنصري بين الإعلاميين ليس على قاعدة اللون، أو الجنس، أو الدين، ولكن على قاعدة سياسية، فمن يقدم الولاء للحاكم يتمتع بحرية ممارسة المهنة، وأجره مضاعف، وذنبه مغفور، وله في سلم الدرجات مكان محفوظ، ومن خاصم الحاكم، وانتقد الوالي، فهو القتيل الملعون، أو المعتقل العميل، وحكمه مؤبد أو عشر سنوات "لأنه يعمل لصالح قوى خارجية تهدد الأمن القومي للدولة".
في ظل أنواع التمييز العنصري، نبهت وسائل الإعلام في احتفالاتها إلى النوع الأخير من أنواع التمييز في البلاد العربية، باعتباره تمييزا يستهدف هدم المهنة، وقتل الضمير، والترويج للاستبداد.
لا إعلام مع التمييز العنصري، ولا إعلام مع قمع الحريات، ولا إعلام مع التمييز القضائي. حين يخاف الناس تموت ألسنة الحقيقة. لذا وجب عليّ تحية من احتفلوا أمس الأول بإحياء الحقيقة، وحمايتها من القتل. تحية لكل شهيد ومعتقل من الإعلاميين رواد الحقيقة في يوم عيدهم العالمي. والتحية الأولى لجريدة فلسطين رائدة الحقيقة وللعاملين فيها في ذكرى انطلاقتها الثامنة.

