غزة - الرأي - آلاء النمر
"مستمعينا الكرام .. نبشركم بأن قواتنا العربية باتت تسيطر على جميع المدن والقرى الفلسطينية, والمزيد من البشريات ما زال يزفها إلينا الثوار العرب تباعا, أيها المواطنون .. جهزوا أنفسكم للعودة إلى بيوتكم آمنين فأبشروا بالنصر القادم خلال أيام قليلة مقبلة".
ما سبق كان مقطعا إذاعيا قد نطق به الصندوق العجيب وقت أن كانت الحاجة انشراح الحلو تستمع وعشرات المُهجّرين إلى العرب FM بعد أيام من نكبتهم.
لم تتمالك الحاجة الحلو أنفاسها حين نطقت بآهات الحسرة على أرض باتت ملكا لغيرها بعد أن اشتعل رأسها شيباً, فلم تعد تعلم عدد سنوات عمرها الماضية وهي تردد: "من يوم ما طلعنا من الأرض لليوم وهما بيحكوا في الصندوق العجيب إنه يوم العودة قرّب".
وعلى عكسها زوجها وابن عمها عرفات الحلو والذي يحفظ كتاب الله وتاريخ ميلاده رغم أنه يكبرها بعامين حيث يقول بأنه أكمل حياته الدراسية حتى الصف السادس الابتدائي في قرية الكوفخة, منوها إلى أن اسم تلك القرية جاء على أنها كانت مجرد خربة أعادت فيها عائلة الحلو لها الحياة بعد زراعتها وحفر بئر للمياه بداخلها وتشييد مسجد وسط القرية يجمع أهل القرية, وقال إن قرية الكوفخة تأخذ مسيرة نصف ساعة مشيا على الأقدام من قطاع غزة.
أيام الحصيدة
بصحبة "الرأي" ترجع الحلو بذاكرتها إلى الوراء عقوداً من الزمن لتذكر لنا أبرز المواقف التي عاشتها في قرية الكوفخة التي مارست في أرضها مهنة الفلاحة مع ذويها, فتقول: "كانت القرية تبدأ الحصيدة من حد ما يصيح الديك, بمشاركة كل نساء القرية دون تمييز لحرث في الأرض وجني الثمار".
وتوصف الحاجة بعض آلات الحصد المخصصة لكلا الجنسين في جمع محاصيل الأراضي الواسعة بقرية الكوفخة، قائلة: "كانت النساء تستخدم آلة الشنشرة التي تشبه كفة اليد والمخصصة لجني حبات القمح السبلية, أما الرجال فكانوا يستخدمون القالوش وهو أكبر حجما وأثقل وزنا من الشنشرة" فكلا الجنسين موكل بمهة جني المحصول والزحف أرضا لجمع القمح دون تناثره بين الأعشاب الأخرى.
وتضيف السبعينية: "بعد خروج الجميع إلى الحصيدة تبقى إمرأة واحدة في بيت الطين لتقوم بخض اللبن وطحن القمح لتجهيز طعام الغداء للعاملين في الأرض, فيكون البقاء في البيت بمثابة أدوار منظمة لكل واحدة من النساء لألا يعترضن, فالعمل في الحصيدة شاق ومتعب".
لم تكن العملة هي رأس المال في كل الأمور لتسهيل أمر سلعة ما, فهنا كانت تتعامل القرية في بيع محاصيلها عن طريق "راس براس" وهو وضع كفة عنب بكفة أخرى توازيها من القمح أو الشعير لتبادلها بين القرى المجاورة, وكذالك بقية السلعة تكون بدلاً.
تصمت الحاجة قليلا وكأنها تذكرت شيئا ما تود الحديث عنه قائلة: "آآآه , الله يرحم أيام بير القرية اللي كان يتملى من مية الشتا, قديش كنا نتعب لما نشيل الجرة على راسنا ونرجع نسقي ونآكل, ومرة تنكسر الجرة ونرجع تاني على البيت", مشيرة إلى أنهم كانوا حفاة خاصة الفتيات اللواتي لم يتزوجن بعد.
إلى الآن
رغم ما مرّ على ذاكرة الحاجة أم أحمد وزوجها المسن من أحداث إلاّ أنها ما زالت تحتفظ ببعض المأكولات الشعبية التي حفظت طريقة صنعها عن ظهر قلب، وقت أن كانت تعيش بقرية الكوفخة, فتقول: "ما زلت أصنع لأهل البيت أكلة حلق أصبع وهو المفتول المخلوط بقطع صغيرة من الخبز والمفتول وأكلات العدس وكافة الحبوب".
في زاوية البيت الذي تقطن فيه الحاجة السبعينية وزوجها الثمانيني ما زال يحيا بجانبها فرن الطابون القديم والموكل بطهي الكثير من مأكولاتها فتقول: "أزكى الأكلات والأشهى منها بنعملها على فرن الطابون, إله نكهة فلاحية بنتذكر فيه الأرض وخيرها" موضحة أنها تداوم غالبا على صنع الخبز المرق الذي يسهل عليها وعلى زوجها المسن مضغه دون تناول خبز "الكماج" وهو الخبز السوقي".
أما عن المأكولات الشعبية فكانت تُصنع بالأفراح والأتراح من بينها المفتول على وجه الخصوص, فكان أهل القرية في كل فرح يذبحون الأغنام وعمل الولائم لكل من يسكن القرية وكأن الفرح للجميع, فيما قال زوجها بخصوص اختيار العروس بأن الأهل يخطبون لابنهم دون استشارتهم ولا يرى العروس إلا ليلة الزفاف وليس من العادات أن يسأل عنها.
بدوره، يقول زوجها أبو أحمد الذي كان يجلس بجانبها وعكازه المصبوغ باللون البني أمامه: "إن الزواج من بنات أهل الكوفخة أنهم يزوجون لأناس تعود أصولهم لقطاع غزة فقط بعيدا عمن تعود أصولهم للقرى المجاورة, منوها أن ابن العم يأخذ بنت العم كما هي العادات والتقاليد.
ليلة الهجوم
ولم تنسَ الحاجة أبرز ليلة هجومية شنت على قريتهم ليلا فتقول: "لما اسمعنا إنهم هجموا على كل القرى اللي حولينا شردنا في الليل وتخبينا بالسرداب تحت الأرض, ولما هدي الطخ على القرية طلعنا وأخدنا من بيوتنا المونة اللي بتكفي بس لأكم يوم ونزلنا بعدها على غزة.
وعلى عجل استذكرت الحاجة أنهم ليلة خروجهم من القرية كانوا قد نسوا فرن الطابون متوقد لتحضيرهم طعام العشاء وقتها, وهي تقول: "نسينا البيض المشوي في قلب الرماد بالفرن, لحتى الآن نفسي فيهم", وقال أن سهرة العريس تستمر لاثني عشرة ليلة للمساحات الخضراء المتوفرة بكثرة حينها.
وتطلق الحاجة انشراح بنظرات عيونها الخضراون إلى السماء، وتقول: "لما طلعنا قالوا بالكتير 3 أيام ورح نرجع, ولحتى الآن ما خلصوا الـ3أيام, وطول ما إحنا عايشين رح ننتظر العودة وهي حقنا ولو طال الزمن".
يذكر أن قرية الكوفخة تقع إلى الشمال الشرقي من مدينه غزه على بعد كيلو مترات, وتحذوها العديد من القرى المدمرة مثل المحرقة ودمرة, ويعد معظم ساكنيها هم امتداد لعائلات غزية الأصل كانت لهم أملاك وأراضٍ زراعية وبيوت بسيطة في القرى المترامية.

