الاتحاد الأوربي إطار إداري، و سياسي ، وفكري، هادف يجمع الدول الأوربية الأعضاء فيه. فهو إطار يتجاوز القطرية الأوربية لتحقيق التعاون المشترك بين الأعضاء لتحقيق أهداف الدول الأوربية. والإشتراكية الدولية إطار إداري تعاوني فيه الفكر وفيه السياسة، ويعمل عملا مشتركا من خلال مبادئ الاشتراكية الدولية التى تجمع الأعضاء القطريين من القارات الخمس. ومنظمة التعاون الإسلامي إطار آخر يجمع الدول الإسلامية القطرية العربية وغير العربية، للدفاع عن المصالح الإسلامية في العالم، ومواجهة التحديات.
ثم إنك إذا نظرت إلى العالم من حيث( الدين، والفكر)، تجد أن الفكر العلماني ، والفكر الاشتراكي، والفكر الإسلامي، يتصف بأنه عابر للحدود، وللأجيال، وأن أتباع كل فكر يتعاطفون معا، ويتعاونون معا، وتجد للفاتيكان في روما سلطة دينية معتبرة على رعايا الكنيسة الكاثوليكية في سائر الدول القطرية في العالم.
أردت بهاتين المتقدمتين أن أقول :
إن الوطنية التي تنتمي إلى مفهوم الدولة القطرية لا تتعارض مع الأطر الإدارية والسياسية والفكرية التي تصنعها الدول، أو المنظمات الرسمية والشعبية، أو تصنعها الأفكار والتوجهات لخدمة ما هو مشترك بينها من أهداف. إننا إذا أمعنا النظر فيما تقدم لا نجد من يتهم البريطاني أو الألماني، أو الفرنسي في وطنيته لأنه يؤمن بمبادئ الاتحاد الأوربي. ولا نجد هذا الاتهام عند من يدافعون عن الاشتراكية الدولية، أو الكنيسة الكاثولكية، لأن العقل والمنطق يرفضان هذا الاتهام الباطل.
وهنا نصل إلي كبد الحقيقية، التي تكشف عن ازدواجية المعايير، وعن الخلل في المنطق والتفكير، حين تتهم بعض النظم المستبدة جماعة الإخوان المسلمين في بلدها بأنها ليست جماعة وطنية، لأنها تؤمن، أو تشارك في تشكيل إطار فكري وسياسي دولي يتجاوز حدود الدولة القطرية.
إن لكل الأفكار البشرية ( العلمانية، والاشتراكية، إضافة الى النصرانية، واليهودية ) أطر سياسية وفكرية وإدارية عابرة لحدود الدولة القطرية، تتعاون معا، دون أن تجد في الدولة القطرية من يتهمها في وطنيتها، أو يطلب منها التخلص من الإطار الدولي التعاوني. ما زالت الكومنولث ترتبط ببريطانيا، والفرانكوفونية ترتبط بفرنسا، ولا تجد من يجرم أو يعيب هذا الارتباط، بل كل طرف يحاول الاستفادة منه في خدمة مصالحه الوطنية.
حالة التجريم ، والنقد، والتجريح ، تقتصر على الحالة الإسلامية فقط، وتكاد تتركز على التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. مع أن التنظيم الدولي إطار معنوي ورمزي لا أكثر ، يهدف الى تجسيد وحدة العالم الإسلامي وتعاونه معا لخدمة الشعوب الاسلامية في ظل واقع حضاري جديد انحاز الى التكتلات الكبيرة لخدمة مصالح أعضائه.
في مصر توالت الأنظمة المعادية للإخوان. وهي تعمل ضدهم منذ ثمانين سنة، قبل تشكيل الإطار الدولي، وبعده، وهم الآن ينزعون عن الاخوان (المصرية والوطنية) لوجودهم في هذا الإطار، ولو خرجوا منه ، أو قرروا إلغاءه لن تتغير العداوة. والحال كذلك في بقية الدول العربية التي فيها تنظيما للإخوان المسلمين. مع أن الاخوان في مصر أنشأوا حزبا سياسيا لا علاقة له بالإطار الدولي.
لقد رمى الناصريون الإخوان بتهمة العمالة لاميركا، حتى إذا مات عبد الناصر ، ونشرت بريطانيا الوثائق تبين منها علاقة الناصريين بالخارج( اميركا وروسيا)، ولم تتحدث وثيقة واحدة عن علاقة الإخوان بالخارج. واليوم بعد أن سقطت تهمة العمالة لأميركا ، صنعوا للإخوان تهمة العمالة للتنظيم الدولي، لنزع الوطنية عنهم وإلقائهم في السجون، مع علمهم أن التنظيم الدولي لا يتجاوز الإطار المعنوي والفكري والرمزي الدال ةعلى وحدة العمل للإسلام.

