أخبار » مقالات

اكتشفت عميلًا في المسلخ

19 أيلول / مايو 2014 10:02

ما أن تسهو عيني قليلاً وأنا قاعد في المسلخ، حتى أفيق، لأوجه نظري إلى ذلك السجين الذي بادلني حركات التمرد، لقد أحببته دون أن أعرفه، وكنت كلما ضاقت علي اللحظة في المسلخ؛ أستأنس به، وأدق له بـ"الشبشب" على الأرض، فينتبه إلي، ويبادلني الحركة ذاتها، لقد صرنا أصدقاء دون أن أتبين ملامح وجهه، ودون أن أعرف اسمه.

كان ينظر إلي من ثقب الكيس، ويكتب بأصبعه على الأرض، وكنت أنظر إليه من ثقب الكيس، وأكتب له بأصبعي على الأرض؛ ولكنني لا أفهم ما يكتب، وهو لا يدرك ما أقصد، لقد كنا نمارس الحياة، ونتغلب على الصمت في تلك اللحظات الصعبة.

في صباح يوم الأحد 19/5/ عاد المحققون من الإجازة، وبدأ الضجيج المخيف في المسلخ، وراحت أبواب الحديد تفتح وتغلق على نفاثات الخوف، وكانت خطوات المحققين وهم يتنقلون بين غرف التحقيق تدق في قلوب المنتظرين. ماذا يخبئ لنا هذا اليوم من مصائب؟ ومن الذي سيجرجرونه إلى غرفة التحقيق أولاً؟ من يخلصنا من هذا العذاب؟.

في هذه الأجواء المعبأة بالفزع، سمعت صوتاً يقول: "أيوه، أنا محمد عبد العزيز أبو شاويش"، التفت جهة الصوت، فعرفت أنه صديقي الذي يبادلني في المسلخ طوال الليل حديث الحركات، إنه يقلدني، ويستعمل طريقتي في الرد على السجان، حين كان يسألني عن اسمي، فأقول: فايز صلاح حسين أبو شمالة من قرية بيت دراس.
محمد أبو شاويش كان صديقي في التحقيق، وظل صديقي في السجن، وهو صديقي حتى اليوم، ويسكن في مخيم النصيرات.
بعد دقائق من معرفة اسم صديقي، صرت أسمع صراخه، وأتخيل نفسي بعد دقائق في مكانه، إنها لحظات فزع حين يسكن صوت العذاب أذنيك، فرغم شعوري بالفخر بعد مرور ثلاثة عشر يومًا دون أدنى اعتراف، ورغم ازدياد ثقتي بنفسي مع الأيام، ورغم تنامي إرادتي في الصمود، إلا أن سماع صوت أنين المعذبين في غرف التحقيق يوجع النفس أكثر من العيش تحت العذاب، لقد قررت في تلك اللحظات أن أحتفظ بسري مهما عذبوا جسدي، لقد قررت ألا أعطي مكافأة لمن يعذبني، لن اعترف بسري.
لم يطل انتظاري للعذاب، دقائق وكنت تحت المقصلة، ودارت المعركة بين جسد منهك بالقلق وبين أيدي قساة قتلة من اليهود الحاقدين.
قبل العصر كنت أجلس في المسلخ ثانية، يملأني الشعور بالفرح، وأنا أثبت عيني على ثقب الكيس، كي أراقب ما يجري، فلم يزعجني في تلك اللحظات إلا صراخ المحققين في غرفة التحقيق على أحد السجناء، كان صوت الصفعات والضربات المبرحة يخترق آذاننا، وكانت استغاثة السجين تحاصر أرواحنا، فمن هو هذا البطل الذي يعذب حتى الآن؟ فتشت بين السجناء، فارتحت حين رأيت صديقي محمد أبو شاويش، يجلس تحت الكيس أمامي.
ظل نظري منصبا على الغرفة التي يخرج منها الصوت، كنت أتمنى رؤية ذلك البطل الصامد تحت التعذيب، فكانت المفاجأة حين جاء الخادم بالقهوة، وفتح باب الغرفة، وقبل أن يغلقها بسرعة رأيت شخصاً عربياً بلباس السجن، يجلس مبتسماً على كرسي، ورأيت المحقق اليهودي يضرب الطاولة بحركات تمثيلية، ويشتم ويسب كذباً بصوت مرتفع.
إنها تمثيلية إذن، فمن هو هذا العميل الذي يمثل دور البطل؟
ظللت أراقب الغرفة حتى فتح بابها، ليخرج منها المحقق، وهو يجر العميل، كان مقيداً، والكيس على رأسه.
وحين مر من أمامي، مددت رجلي بشكل متعمد، فسقط وارتطم وجهه بالأرض، فتأكدت من ملامحه جيداً، بعد أن رفع السجان عن رأسه الكيس ليتأكد من سلامته.
بعد عدة شهور، وأثناء وجودي في الزنازين، كنت أبصبص من تحت باب الزنزانة، فرأيت ملامح العميل التي حفظتها غيباً، لقد تأكدت منه أثناء خروجه من الزنزانة عشرين إلى الحمامات، لأبدأ من تلك اللحظة في إرسال الأمسيات له، والحديث معه كبطل، حتى اطمئن لي، فتعرفت على اسمه، إنه من سكان حي الأمل في خان يونس.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟