أخبار » مقالات

وللتاريخ ذاكرة، وللصليب الأحمر زيارة

21 أيلول / مايو 2014 11:33

اليوم الذي لم تشبهه الأيام تحت التعذيب كان يوم الثلاثاء 21/5، ففي ذلك اليوم زارني ثلاثة من مندوبي الصليب الأحمر، ولما كنت أعرف بعضهم قبل السجن، فقد كان اللقاء حنوناً إلى حد بكاء مندوبة الصليب الأحمر، فقد رأت بأم أعينها إنساناً لا يشبه الذي عرفته من قبل!
سألتها عن صديقتها "كاولين" قبل أن تسألني عن أحوالي، فقالت: "لقد سافرت في اليوم التالي لاعتقالك مباشرة".
ثم سألت مندوبي الصليب الأحمر: "ماذا جرى للأسرى في السجون الإسرائيلية؟"، فقالوا: "الأمس تم الإفراج عن 1200 أسير ضمن صفقة تبادل الأسرى".
لم أشعر بعد ذلك بما يجري حولي، طرت إلى عالم آخر من الفرح، كان قلبي يرقص طرباً، لقد صرت حمامة تطوف شوارع فلسطين، وترش عطر الحرية، فقد كنت من القلائل الذين يعرفون أن في ذلك اليوم سيتم تنفيذ صفقة تبادل الأسرى.
كان موعد تنفيذ صفقة تبادل الأسرى سريا جداً، فقد وصلني من عمان بتاريخ 30/4/1985 رسالتان عاجلتان، وسريتان جداً، كان يتوجب أن تصل الرسالة الأولى إلى سجن عسقلان، وأن تصل الرسالة الثانية إلى سجن نفحة، والرسالتان تحتويان على تفاصيل صفقة تبادل الأسرى، التي كان يجب أن تتم يوم الاثنين 20/5/1985.
بعد تفكير طويل، ذهبت يوم الخميس 1/5/1985 إلى بيت المرأة الفاضلة أم رأفت النجار من خان يونس، وكانت تربطني بالعائلة علاقة طيبة، فأنا أستاذ لابنها وابنتها، وأحمل للأسرة تقديراً خاصاً، فأم رأفت لها أسيران، الأول في سجن نفحة، والثاني في سجن عسقلان، وكان يوم الجمعة موعد زيارة السجون، لقد أعطيتها الرسالتين، وأوصيتها بضرورة إيصالهما للسجناء، وأكدت لها أن هاتين الرسالتين تختلفان عن كل الرسائل السابقة.
في مساء يوم الجمعة 2/5 وقبل اعتقالي بأربعة أيام، اتصلت أم رأفت هاتفياً، وأكدت لي أن الأمانة قد وصلت لأصحابها.
ما أن غادر ممثلو الصليب الأحمر حتى كنت في المسلخ، والكيس في رأسي؛ ولكنني في هذه المرة لا أفتش عن ثقب الكيس، فقد آثرت أن أطلق العنان لخيالي، وأغمض عيني على نهر الدموع الذي راح يجري حتى تساقط على ثياب السجن.
في تلك اللحظة الشيقة أخذني السجان إلى غرفة التحقيق، وما أن رفع المحقق الكيس عن رأسي حتى شاهد الدموع، فهلل فرحاً، ورقص طرباً، وقال: "فايز أبو شمالة يبكي، يا حرام، مسكين!"، وأضاف: "خلص نفسك من العذاب، واعترف، وانتهى الأمر".
نظرت إلى المحقق باحتقار، ولم أجب عليه، لقد كنت أحلق بعيداً، لقد كنت خارج غرف التحقيق، في عالم الحرية والانتصار، وتركت للمحقق جسداً لا أشعر بما يلاقيه من عذاب.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟