في ليل يوم الخميس الموافق 22/ 5/1985، رفع السجان عن رأسي الكيس، وأخذني حيث يتواجد الطعام، فأكلت، وأنا مستغرب من هذه الوجبة الليلية، لم أكن أعرف أن شهر رمضان قد جاء، وأن هذا وقت السحور، وأن ستة عشر يوماً قد مرت على وأنا تحت التعذيب لا أعرف ليلها من نهارها.
وكانت المفاجأة حين أخذني السجان مرة ثانية إلى مكان الطعام بعد شروق الشمس، ورفع الكيس عن رأسي، وفك قيودي، فأكلت؟
قلت في نفسي: ما أروع شهر رمضان في التحقيق! لقد أكلت في ذلك اليوم من رمضان حتى الضحى مرتين، إنه شهر رمضان الذي سيجلب المزيد من الوجبات، هذا شيء رائع، وأنا جائع، وأخوض معركة بجسدي الذي يجب أن يظل قوياً صامداً.
في ضحى ذلك اليوم كنت أجلس في المسلخ مقيداً، أرقب من ثقب الكيس ما يجري من حولي، دون أن يطلبني أحد للتحقيق، وهذا ما سمح لي أن أطفئ لمبة الدماغ، وأغمض عيني، بعض الوقت، لأصحو على دقات بالعصا على بلاط المسلخ، نظرت جهة الصوت، فجزعت، إنه والدي بشحمه ولحمه وبطوله وعرضه، إنه يدخل إلى غرفة التحقيق.
يا للهول، هل سيعذبونه؟ لقد توقعت أن أسمع صفعاً وضرباً وما شابه ذلك، كنت أرقب اللحظة، بينما الصمت يبسط ذراعيه على المكان لفترة من القلق.
كان منظري مفزعاً ومقززاً حين أدخلني السجان إلى غرفة التحقيق، كان أبي يجلس مهموماً على كرسي، فلما رآني، سأل عن أحوالي، وقال: إذا كان الاعتراف يخلصك من هذه الحالة، فاعترف فقط بما قمت به.
كان ردي السريع: أنا بخير يا مختار، ولا شيء عندي أعترف عليه.
لقد أوجعت كلماتي المحققين، فانهالوا علي ضرباً وصفعاً، وأخرجوني من الغرفة بسرعة.
لقد أوصلت الرسالة التي أريد، وأفشلت مخطط المحققين في التأثير السلبي على نفسي بتواجد أبي في غرف التحقيق.
سمعت بعد سنين أن والدي قد استدعى مجموعة من الوجهاء والمخاتير، وأبلغهم بأنه مطلوب للمخابرات في غزة، وطالبهم بعدم تركه وحيداً إن لم يرجع إليهم حتى المساء، ولما حاول البعض طمأنته، لأنه رجل كبير في السن، ومختار، وما شابه ذلك من كلام، قال لهم: ما أقل عقولكم! المخابرات الإسرائيلية التي حبست أحمد ياسين وهو مقعد، ستخجل من حبسي!!
وقد عرفت بعد عدة شهور أن والدي قد عاد إلى البيت في نفس اليوم، ليظل جسدي مقيداً في المسلخ، في الوقت الذي سافرت فيه روحي إلى مخيم خان يونس، فقد هزت رؤية أبي عواطفي، فسكنت مع نفسي لحظات من الوجد، لم أصح منها إلا حين جاء السجان، وأخذني إلى مكان الطعام، فأكلت وقت الظهيرة للمرة الثالثة.
بعد آذان المغرب، بدء السجان في إطعام الصائمين، كان يفك قيود أحد السجناء، ويأخذه لتناول طعام الإفطار، فإذا انتهى من الأكل، يضع القيود في يديه ثانية، ويجلسه في المسلخ، ليبدأ في فك قيود سجين آخر وهكذا، حتى أفطر بعض السجناء بعد منتصف الليل.
أما أنا، فلم يصلني الدور، لقد وضع السجان شريطاً لاصقاً على ظهري، وكتب عليه شيئاً ما، فصرت مميزاً عن باقي السجناء، وطويت بالجوع حتى ضحى يوم الجمعة الموافق 23/5، حين طلب المحقق من السجان أن يخرجني من المسلخ، لأجد نفسي مقيداً تحت ضوء الشمس في يوم قائظ، انتظر عربة الترحيلات، ورياح الخماسين تعصف من حولي.

