غزة - الرأي – ابتسام مهدي :
عمر 20 عاماً، وسعد 17 عاماً، وطارق 18 عاماً، وأسماء 22 عاماً، ونجلاء 29 عاماً، وفاطمة 12 عاماً، هؤلاء ليسوا أسماء وأعمار، بل أبناء لأب وأم اغتالتهم طائرات الحرب "الإسرائيلي" فجر يوم الخميس العاشر من شهر يونيو للعام الجاري وهم نائمون دون سابق إنذار، مما أدى إلى تدمير المنزل بشكل كامل وانهياره على قاطنيه واستشهادهم جميعاً.
لساعات طويلة استمرت طواقم الدفاع المدني والجيران محاولة النبش بإمكانيات قليلة ومتواضعة في أنقاض المنزل المنهار؛ لانتشال الجثامين التي تراكمت عليها الحجارة والحديد، ليجري استخراج الجثامين واحداً تلو الآخر وسط هتافات التكبير ومشاعر الغضب التي انتابت السكان.
مسكن المواطن الفلسطيني محمود الحاج البالغ من العمر "57عاما "وزوجته صفاء، والذي تم بناءه قبل عدة أشهر فقط, يقع في أحدى الأزقة لمخيم العقاد وسط مدينة خان يونس، الأمر الذي أدى إلى صعوبة تدخل الآليات الكبيرة للمساعدة في نبش الأنقاض وإخراجهم بصورة سريعة .
مجزرة قاسية
ولم ينجو من هذه المجزرة القاسية جدا سوى الأبن الأكبر ياسر ذو الـ24 عاما والذي كان برفقة أخته المتزوجة؛ لإيصالها إلى منزلها بعد زيارتهم في مدينة رفح لتشارك أخيها أحزانه وفاجعته التي لم يستوعبها حتى اليوم رغم احتياجها لمن يساندها.
بكلمات بسيطة قال الشاب محمد الحاج: "ما حدث لبيت عمي جريمة تفوق الوصف, فهو مواطن عادي ليس لديه أي علاقة بأذرع المقاومة, ما ذنب عائلة كاملة تستهدف وهي نائمة مطمئنة في بيتها ؟!".
وبين أنه استمر بالعمل لإخراج عمة وأبناءه وزوجته عدة ساعات، حيث لم يجد العم في بادئ الامر مما اضطروا إلى البحث كثيرا عنه، فمن شدة الضربة التي تلقاها اختفت جثته وفي قرابة الصباح في اليوم التالي وجد تحت ردام كبير من المنزل .
الابن ياسر والذي لم يستوعب ما يدور حوله حتى إعداد هذا التقرير جراء الفاجعة التي أصابت منزلهم وأدت إلى استشهاد جميع أفراد عائلته يتمني لو أنه كان معهم لأنه أفضل بكثير مما يشعر به من الألم والحرقة الآن.
وقال: "أفطرت مع عائلتي أنا وأختي وخرجت لإيصالها لمنزل زوجها، وفي طريق عودتي تحدثت مع بعض الأصدقاء, لأسمع في الاخبار عن استهداف منزلنا فانطلقت إليه مسرعاً، حيث كان الجميع يعتقد أنني استشهدت مع العائلة ".
لم يتخيل الشاب ما حدث لعائلته حيث أغمي عليه عندما رأي حال المنزل, ورغم أنه مازال تحت التشييد حيث تم السكن فيه قبل عدة شهور وهو غير مكتمل بسبب الوضع المادي الغير جيد لعائلته، ليضيف: "لم نفرح بعد بمنزلنا الجديد والذي كلفنا كثيراً، ذهبت عائلتي وتركتني وحيداً فلن أجد بعد اليوم من ينتظرني ليطمئن علىّ كل ليلة عند تأخري".
كانت أخته نجلاء تنتظره كل ليله أمام باب المنزل, لتفتح له الباب وتطمئن عليه, كما كانت والدته صفاء والتي تفتقدها طالبتها في المخيم الصيفي الذي كانت تشرف عليه في مسجد الرحمة, تكثر الدعاء له وتتمني أن تفرح به وأن تزوجه في قرب فرصة .
وتابع ياسر والدموع تنهمر في عينيه: "سأفقد أخي عمر فقد كان رفيقي في ذهابنا كل يوم إلى المسجد, كما بكي عليه الكثير من رفقاءه في مسجد الرحمة، كان خطيباً رائعاً، يلفت انتباه الجميع بقدرته الكبيرة على جذب الشباب والشيوخ والاطفال لحديثه, عدا عن امتلاكه صوتاً جميلاً رحمة الله عليه".
نجونا وتشردنا
منازل المواطنين بجانب منزل عائلة الحاج أيضا تضررت بشكل كبير من بينها منزل المواطن فؤاد شكشك رغم اصابته ببعض الجروح, شارك المواطنين في البحث عن جثامين الشهداء، بعد أن تأكد من سلامة عائلته القاطنين في المنزل والذي يبلغ عددهم خمسة أفراد، حيث اختفي سطح منزلها الاسبست بالكامل جراء الضربة .
وقال: "الحمد لله على كل حال منزلنا دمر بالكامل، وحاليا نحن مشردون,ولكن جارنا الحاج محمد استشهد وأبيدت أسرته بالكامل ودمر المنزل، هذه وحشية جنونية وذبح للمواطنين من قبل الاحتلال الغادر ولن ينجح في تحقيق أهدافها مهما كلفنا الثمن".
وبين شكشك أن الله لطف به وبعائلته التي أصيبثلاثة من أسرته بجروح متوسطة جراء تناثر الركام من الاسبست, مضيفاً: "لو أن منزلي من الباطون لانهار فوق رؤوسنا واستشهدنا جميعا".
أما في الجهة الجنوبية من منزل الحاج المدمر, فقد نجت أفراد أسرة المواطن يونس الحلبي الذي دمر منزله بشكل كامل، ولكن جدار أحد الغرف سقطت بشكل مائل على الأسرة لتحميهم من الانهيار الذي اصاب السقف وباقي الجدران, وفي نفس الوقت لا يمكن السكن بالمنزل فهو في حاله يرثي لها.
جريمة حرب
من جانبه، أكد وكيل وزارة الاعلام م. ايهاب الغصين أن استهداف المدنيين والمواطنين والأفراد المدنية يشكل جريمة حرب، تستوجب التحقيق ومحاكمة المسئولين عنها من قادة جيش الاحتلال والمستوى السياسي "الاسرائيلي" .
وأضاف أن الاحتلال كثف سياسية قصف المنازل كإجراء عقابي، واللافت في جريمة قصف منزل الحاج بطائرات أف16 أنه استهدف منزلاً لأسرة مدنية بالكامل ودون سابق إنذار، ومثلها العديد من الأسر الممتدة من شمال قطاع غزة إلى جنوبها، ما يشير إلى نية الاحتلال اقتراف الجرائم ضد الإنسانية وتعمد لقتل جميع أفراد الأسرة ".
ودعا الغصين كافة الشعوب إلى ضرورة تجاوز الصعاب والمعيقات، وإحراج من يمنعهم وفضحه، مؤكداً أن هذا وقت المفاصل وعليهم ألا يقولون بأننا لا نستطيع فعل شيء.
وبين أن غزة تقدم أطفالها ونساءها ورجالها وبيوتها وكل شيء فيها لحفظ كرامتكم، فلا تبخلوا من تحركاتكم من أجل القدوم لها وعلى الأقل للوقوف على بابها.

