غزة - الرأي – دينـا فروانـة :
لم يكن مشهد الشهداء وهم يدخلون ثلاجات الموتى والذي تكرر عليه مئات المرات لينزعَ منه مشاعره الإنسانية, أو يمنع دموعه من النزول, آخر تلك المشاهد التي أبكته كثيراً, ذلك الرجل الذي يودع طفليه بحرقة ولوعة واللذان استشهدا في إحدى الغارات "الإسرائيلية" على مدينة غزة.
والدهم يخاطبهم قائلاً: "أنا ربيتكم يابا وتعبت عليكم وخليتكم كبار, سامحوني يابا", وعلى الجانب الآخر كانت أمٌ مكلومة تودع ابنها العريس الذي زفته قبل أسبوعٍ من استشهاده والتي أصابتها حالةٌ من البكاء الشديد مما دعاه للخروج من المكان والجلوس في مكتبه لصعوبة الموقف".
ردة الفعل
مدير عام الطب الشرعي والمعمل الجنائي يوسف العامودي والذي يشرف على جميع جثث الشهداء الواصلة إلى مستشفى الشفاء الطبي قال في حديثٍ خاص لـ "الرأي": "عند حضور الشهداء إلى ثلاجات الموتى تؤلمنا كثيراً ردة فعل الأهل والأقارب, والتي تكون في معظمها ردات فعل غريبة وتتفاوت من شخص لآخر, مضيفاً:" أهل الشهداء لا يبكون وحدهم بل نشاركهم أيضاً بكاءهم".
وأوضح العامودي أن عملهم يتركز في الكشف الظاهري عن الحالةالوافدة إليهموتفقد كل الإصابات الموجودة فيها, وأخذ عينات منها في بعض الأحيان, وتوثيق الحالة بالصورة الفوتوغرافية والفيديو تمهيداًلعمل تقرير مفصل لكل حالة لتسليم هذه الصور والتقارير للهيئة المستقلة لملاحقة مجرمي الحرب.
وأضاف مدير عام الطب الشرعي: "تقوم الهيئة بمتابعة الملف ورفع التقارير للمحاكم الدولية لفضح الاحتلال وكشف جرائمه بحق المدنيين والأطفال والنساء العُزّل".
وأشار العامودي إلى أن معظم جثث الشهداء التي تصل إليهم تأتي عبارة كتل لحم ممزقة لا يستطيعون التعامل معها, أو جثث محروقة بالكامل أو بدون أعضاء, مما يزيد الأمر صعوبة وألماً, قائلاً: "كل عدوان يشنه الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة يستخدم فيه أسلحة أكثر فتكاً ودماراً".
رصد الجرائم
يذكر أن قطاع غزة يتعرض لعدوان "إسرائيلي" همجي لليوم السابع على التوالي, حيث وصلت حصيلة الشهداء خلال تلك الأيام إلى أكثر من 290 شهيدًا وما يزيد عن 2000 جريحًا غالبيتهم من الأطفال والنساء والمدنيين العُزّل.
المدير العام للهيئة الفلسطينية لملاحقة جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين إيهاب كحيل، أوضح أن الهيئة تقوم مع كل عدوان "إسرائيلي" على القطاع برصد كافة جرائم الاحتلال عبر طواقمها المنتشرة في محافظات غزة حيث يقومون برصد الجرائم وتوثيقها صوتاً وصورة".
وقال كحيل في تصريح خاص لـ "الرأي": "مع بدء العدوان شكلنا لجنة طوارئ من كافة الوزارات المعنية وتتكون من وزارة الأشغال ومهمتها متابعة كل ما يتعلق بعمليات الهدم والمنشآت".
ووزارة الاقتصاد ومهمتها متابعة هدم المصانع والمنشآت الصناعية, إضافة إلى مشاركة وزارة الصحة لرصد كل ما يتعلق بالشهداء والجرحى, إلى جانب وزارة الداخلية لمتابعة ما يخص المتفجرات والمواد المستخدمة خلال عمليات القصف , حيث يتم أخذ عينات منها والمواد المستخدمة في استهداف المدنيين.
انتهاكات إنسانية وبيئية
ونوه إلى وجود تعاون كامل مع سلطة الطاقة, والمياه, والبيئة, ومع النيابة العامة والطب الشرعي للخروج بتقارير شاملة ترصد الانتهاكات من كافة النواحي الإنسانية والبيئية, مبيناً أنهم خلال عملهم وجمعهم للمعلومات يركزون على تدوين كل ما يتعلق بالحالة مثل نوعية الإصابة, والأسلحة المستخدمة, بالإضافة إلى إرفاق شهادة الشهود ووكالة من أهل الشهيد.
ولفت المدير العام للهيئة الفلسطينية لملاحقة جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين إلى أنهم قاموا بتجهيز ملفات كاملة منذ عدوان 2008 لرفعها أمام المحاكم الدولية, حيث قاموا بعد ذلك العدوان برفع قضية ضد "تسيفي لفني" وتم منعها من دخول بريطانيا, وتمت محاكمة لقادة الاحتلال في بلجيكا وماليزيا وهولندا وأدينوا وقتها, إلا أنها كانت إدانات محلية فقط.
وتواجه الهيئة المستقلة لملاحقة مجرمي الحرب مشكلة رئيسية تتمثل في عدم مقدرتهم على رفع التقارير إلى محكمة الجنايات الدولية, لأن المحكمة ترفض تقديم أي تقرير إلا إذا كانت فلسطين عضو فيها, وهذا لم يقم به رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المخول الوحيد بطلب العضوية فيها, حيث تقدم عباس بطلب الانضمام لـ 15 منظمة دولية لم تكن تلك المحكمة من ضمنهم.
وأشار كحيل إلى أنهم يعملون الآن على موضوع الوكالات الفردية للمصابين وأهالي الشهداء حيث يرفعون قضايا على قادة الاحتلال بشكل فردي وبمساعدة الهيئة من خلال التواصل والتنسيق مع جميع المنظمات والمحامين المختصين في هذا المجال.

