غزة – الرأي - دعاء عمار
كيف يمكن للإنسان أن يسمع صوت القصف، يتأكد أنه قريب من بيته وأسرته، هنا قذيفة وهناك صاروخ، لا يملك أن يحتضن طفلة أو يهدئ روع زوجته، بل قد يفاجأ بأحدهم ضمن الإصابات التي تصله مكان عمله، فلا تمنعه الصدمة من التقاعس، أو التراجع عن أداء مهمته.
أطلق عليهم ما شئت، ملائكة الرحمة، أو أصحاب الأردية البيضاء، أو أي شيء آخر لكنهم في النهاية أشخاص تركوا منازلهم طائعين، فضلوا مداواة الجرحى ورعاية المرضى، وتقديم حياتهم وراحتهم فداء لهم، ولا جزاء لهم الآن إلا رضى الله تعالى في ظل عدم تلقيهم رواتبهم وصعوبة ظروف حياتهم.
بث الأمل والحياة
من هؤلاء ممرضة التقيناها كي تكون نموذجا تطلعنا على بعض ما يقوم به الأطباء والممرضون في مستشفى الشفاء من جهود تواصل الليل بالنهار، ولِحظ مرضاها فإنهم يتلقون فألا حسنا من اسمها وبشاشتها بعد ذلك ورغبتها دوما في بث الأمل والحياة في نفوسهم.
"شفا جابر" ممرضة تقضي أيام حياتها الآن في مهنة تراها هي الأسمى، فتقول: "حلمت كثيراً بتطبيب جراح الناس ومواساتهم، خاصة وأن والداي كانا مريضان وكبيران في السن وبحاجة دوما لقياس الضغط أو أخذ الإبر العلاجية، وأمور التمريض المختلفة، فأردت دراسة التمريض لكنهما رفضا، وبعد الزواج طلب زوجي أن أكمل دراسة الجغرافيا ثم أدرس ما أريد بعد ذلك".
وقد كان فعلا ما أصرت عليه إذ بدأت بدراسة التمريض خلال عملها في الإعداد التلفزيوني حيث استغلت راتبها في مرحلة البكالوريوس ثم الماجستير في التمريض، ثم أنشأت عيادة البراءة لتقديم الخدمات لمرضى السرطان والأطفال المعاقين، بمعاونة عدد من الأطباء والمختصين والذين يقدمون جهودهم طوعا لخدمة نفس الهدف.
مواطن الألم
ولكن لم هذا الإصرار على البقاء قريبا من مواطن الألم، فكثيرا ما نرى الأهل يسألون ويبحثون عن طفلهم أو قريبهم بحالته الخطيرة والتي يتوقف على الطبيب أو الممرض إخبارهم بمصيره وتطورات وضعه، وعن ذلك تقول جابر "دوما مصير المصاب لا يتوقف على قدرة الطبيب أو الممرض، لذا أعمد دوما إلى طمأنة الأهل وبث اليقين في نفوسهم بقدرة الله تعالى".
وكان أبرز مثال على ذلك الطفلة مريم وحيدة والديها والتي جاءتهم بعد عدة عمليات زراعة، والتي كانت حالتها خطيرة لكن شفا آثرت أن تقول لهم "يومين، وستكون بخير"، وبالفعل أفاقت الفتاة واستقرت حالتها.
هنا يتجلى يقين الطبيب أو الممرض، فهو حسب شفا لا يعرف مآل الحالة بدقة، ولا يتدخل مباشرة ففي النهاية يكون المصاب على الأجهزة التي تتابع حالته بعد قيام الطبيب بواجبه معه وبذل وسعه كاملا، لكنه الأمل دوما في قدرة الله على التغلب على كل النواقص والاحتياجات التي قد تعيق توفير خدمة أفضل للمصاب، فدوما تبقى التدخلات الإلهية والدعوات من الناس والأهالي قادرة على إحداث الفرق في حالة المريض.
الحال التي عليها شفا الآن وأطباء المشافي الفلسطينية لم تكن بهذه الصورة المشرقة لولا إيمانهم العميق بدورهم وضرورة تقديمهم التضحيات وبذل الجهد والوقت في سبيل رعاية صحية أفضل للجرحى والمرضى في ظل هذه الظروف، فشفا رغم أنها تقوم بجهدها هذا طوعا إلا إنها لا تترك المكان تقريبا ولا تغادره إلا مضطرة لتقدم خدمة أخرى لمرضاها في العيادة حال اتصالهم عليها، ثم تعود سريعا للمستشفى، أو يتم الاتصال بها حال الاحتياج إليها.
المهن الطبية
لم تتغيب شفا فقط عن عيادتها وإنما عن زوجها فهي وإن لم ترزق بأطفال إلا أنها ترعى الكثير منهم وتقوم على رعاية مصالحهم وتتبع شؤونهم، أما زوجها كما تصفه فقد شكل لها عنصر دعم كبير، فهو أيضا يعمل في مجال المهن الطبية ويقدر ما تقوم به بشكل كبير.
وتقول: "إن شعر أني تعبت أو تكاسلت يذكرني دوما أن هذا طموحي وحلمي الذي سعيت لأجله مرارا، وأن ما أقوم به جهد لله تعالى ولا يجب التغاضي عنه، لذا فقد شكل لي دوما عنصر دعم وإسناد لا يمكن التخلي عنه"، ففي النهاية يؤدون ما عليهم رغم ضعف الإمكانيات مرتكزين على الإيمان بمبادئهم وهدفهم في تطبيب جراح أهل هذه الأرض المباركة.

