غزة _ آلاء النمر:
غياب التيار الكهربائي لم يُدخل قطاع غزة في ليالٍ حالكة, ففي لحظة من اللحظات يشعر القاطن في قطاع غزة أن الشمس قد أشرقت في غير موعدها؛ فضربة الصاروخ تجاه بيوت الآمنين وأراضيهم الزراعية تنقل أجواء القطاع من أشد أوقات الظلمة إلى سماء متوهجة بالنهار المصطنع الممتلئ بالخوف.
الثلاثينية "نورا حرارة" والتي شعرت بخطر يجول حولها وأطفالها وقت أن اشتدت ضربات طائرات العدو غدرا بالبيوت الآمنة من حولها , جمعت أبنائها من حولها بعد أن اقتربت ساعات الفجر الأولى وطمأنت قلوبهم بأن الأمور ستكون على ما يرام ليغمضوا جفونهم بعد أن زادت ساعات استيقاظهم ليلا نهارا.
مضت على نوم الأم بجانب أطفالها خمس دقائق بالتمام والكمال لتقوم بعدها فزعة بعد أن سمعت انفجاراً كبيراً هز منزلها المسقف بألواح "الأسبست" مما دفعها إلى رمي جسدها فوق أطفالها الأربعة تحسبا من حدوث انفجارا آخر ولكن ما حدث لم يكن انفجارا آخر!.
و بمجرد أن قذفت الأم بنفسها فوق أطفالها حتى وقعت عليها جدران البيت بسقفه فأصيبت بكامل جسدها, بعد أن تلقت الركام فوق جسدها الملقى فوق أطفالها لحمايتهم من هول الضربات خوفا من إصابتهم بشكل مباشر, جري الأب تجاه غرفته وما حصل بداخلها من دمار دفعه للصراخ على أسماء أبنائه وتفقد زوجته في عمق العتمة والظلام.
تكاثف الغبار في البيت واشتداد الظلمة وإغماء والدتهم التي أصيبت بشظايا الصاروخ المتطايرة على غرفة نومها , فلم يُسمع سوى صراخ الأطفال ومناشدة أمهم بقولهم :" أمانة ما تموتي يا ماما, خليكي عايشة معنا", لتقول والدتهم بعد أن أنهت العديد من عمليات الجراحة.
وبعد أن أفاقت وعادت لوعيها: "الحمدلله الذي أصابني وحمى لي أطفالي, بروحي وبقلبي وبجسدي أفديهم , فلم يهن لي أن يصاب أحد من أطفالي وأن أراه يتألم وأن أتقطع عليه".
إصابة نورة حرارة وصفت بالخطيرة بعد الكشف عن كسور في ظهرها وحوضها وتلقيها الشظايا في كافة أنحاء جسدها , "منذ يوم إصابتي وأنا أنتظر أن يفتح معبر رفح البري لأخرج وأتلقى العلاج في الخارج، إلا أن الكل يتآمر علينا وعلى كل أبناء شعبنا".
كان شهيداً أما عن الشاب العشريني محمد فرج الله والذي استهدفته طائرات الاحتلال غدرا بأحد الأراضي الزراعية قد انتشلته من تحت الركام بعد أن أودعه صاروخ طائرات الإف 16 تحت الأرض بأمتار.
فقدُ ذويه وأصحابه له دفعهم للبحث عنه في كل مكان , فلم يكن قد حضر قصف بيته وغدرها بإصابة أفراد منزله , حتى وجدته طواقم الإسعاف ملقى تحت الركام في أحد الأراضي الزراعية على أنه شهيد.
وصوله لمستشفى الشفاء وعمل الإسعافات الأولية لجسده وأنفاسه أودع فيه الحياة من جديد, ليشرق على ذويه بخبر ينفي انتقاله مع مواكب الشهداء كما تناقلت الأنباء الأولية حسب حالته الصحية المتدهورة وقتها.
ويبقى محمد كبقة الجرحى ينتظر تحويلة خارجية بعد أن يفتح معبر رفح للحالات الكارثية خلال العدوان الصهيوني على المدنيين والآمنين في قطاع غزة.
لم تكتب له الشهادة ! وفي مشهد آخر غدا الفتى محمد غطاس 15 عاماً إلى صلاة المغرب ليلتحق سريعا بعد الصلاة بطعام الإفطار برفقة ذويه, فما أن وصل محمد المسجد حتى سمع العديد من الانفجارات التي أفزعته ودفعته للهرع في أي شارع يبعد عن القصف المشتد على منطقته.
هرب محمد من قدره ليصل إلى قدر آخر, فما أن هرب إلى مكان شعر بأنه المكان الآمن إلى أن ينتهي الضرب الشديد من قبل الطائرات الغادرة, حتى أصيب بشكل مباشر خلال غارة أخرى استهدفت سيارة مدينة كان يسير برفقتها.
ذهابه للمسجد ثم هربه لمكان آمن ونيته بالإفطار مع ذويه لم يتحقق سوى أن وصل جريحا مصابا لمستشفى الشفاء بغزة. في كل زاوية قصة شهيد وقصة جريح ومشاهد لم تلتقطها عدسات الكاميرا لكثافة المشاهد وكثرة الجرحى وارتفاع عدد الشهداء،
وما زال العدوان مستمرا على قطاع غزة ضد الآمنين في بيوتهم والأطفال والنساء والشيوخ.

