غزة – الرأي - ابتسام مهدي:
لم يعد لهم مأوى وحياة في بلد انتهكت فيها كل المحرمات، وأريقت بها الدماء دون رحمة ، لتبدأ معهم فصول رحلة التهجير والمعاناة من جديد نتيجة الحرب الشرسة التي يقوم بها الاحتلال "الإسرائيلي", ليرحلوا من مكان إلى مكان آخر ظناً منهم أنه المكان الآخر أكثر أماناً, ليجدوا أنفسهم تحت قصف صهيوني لا يفرق بين الحجر والبشر ليهجروا من منازلهم الجديدة مرة أخرى داخل قطاع غزة .
اللاجئون السوريون مصطلح جديد انتشر في معظم بلدان العالم، فلا تكاد بلد تخلو منهم ، بعد أن فروا من الحرب التي يشنها بشار الأسد عليهم، وعلى الرغم أن النسبة الأكبر من اللاجئين السوريين متواجدين في تركيا إلا أن قطاع غزة كان له النصيب الأكبر باحتضانهم.
هجرة متتالية
اللاجئ الفلسطيني السوري فرج الله منصور تعرض خلال حياته إلى تهجيرين قصريين، أولهما بعدما هجر بصحبة عائلته مطلع السبعينيات من القرن الماضي من قطاع غزة إلى سوريا، والثاني قبل نحو عامين عندما هاجر من سوريا قصراً على أيدي عصابات المجرم بشار الأسد على قطاع غزة ، ليهجر للمرة الثالثة من منزله في العدوان الأخير على غزة , فمنزلة داخل معسكر مخيم جباليا شمال القطاع تعرض للإصابة بفعل القذائف, ليضطر إلى الرحيل خوفا على عائلته المكونة من 11 فردا إلى مدارس الأونروا, ليتذكر ما مر به من قصف من عصابات الأسد على مخيم العائدين، والذي أدى إلى تدمير كبير في عدد من منازل وأزقة المخيم، كما دمر منزله بشكل كامل.
وقال منصور :" نعيش نحن الفلسطينيين في هجرات متكررة, ووضعنا المادي سيء للغاية والمعيشة في غزة صعبة, وجاء العدوان الإسرائيلي ليزيد الهموم والأوجاع , فخلال اللحظات التي نعيشها اليوم تذكرت حياة أجدادنا قبل 65 عاما عندما رحلوا من أرضهم ومنازلهم ".
وبينّ منصور أنه خرج من منزله بأيدي فارغة, وتوجه إلى مدارس الوكالة التي استقبلته وقامت بتوفير بعضاً من مقومات المعيشة من الفراش والغذاء, ولكن صعوبة الوضع المادي تمنعه من توفير ملابس جديدة أو طعام لأبنائه.
استهداف المنازل
وفي زاوية أخرى هناك ، يجتمع بأحد المنازل الضيقة خمس أسر مكونة من 35 فردا, جميعهم نازحين من فلسطيني سوريا, لينام النساء والأطفال في الغرف , بينما الرجال في صالون البيت وآخرون داخل المطبخ.
ويقول أحد القانطين في المنزل خاطر الجمالي :" كنا نسكن في منازل في حي الشجاعية, كونها على أطراف المدينة فهي أرخص من المنازل وسط غزة فأغلب العائلات التي هجرت من سوريا تعاني من شح المال, ولأننا نسكن على الحدود تعرضت منازلنا للاستهداف من قبل دبابات الاحتلال".
ويذكر أنهم اضطروا للخروج من منازلهم, لتستقبلهم أحد العائلات المهجرة من سوريا, مشيراً إلى أنه لا يوجد في المنزل الذي يقيم فيه سوى بعضاً من الفول والعدس لإطعام أطفالهم, فوضعهم يرثي له بعدما هجروا من منازلهم بدون أي مال مع أنه شحيح ولا ملابس ولا طعام.
ويؤكد الجمالي أنه بسبب الحرب توقفت الجهود التطوعية التي كانت بعض المؤسسات والناشطين يساعدون بها الناس وخاصة المهجرين من سوريا في ظل استهداف السيارات والمواطنين, كما أن الجهود الإغاثية تحولت للمنكوبين في المدارس وأماكن الإيواء, منوهاً إلى أنه لا يوجد لهم أقارب في غزة ليعاونوهم على شقاء الهجرة مجددا.
ويبين أن هذا النزوح يعتبر المرة الثالثة في أقل من جيلين, وأنهم مع كل صوت صاروخ وقذيفة تسقط من قبل قوات الاحتلال يتذكرون ما حدث لهم أثناء وجودهم في سوريا وكيف خرجوا سالمين, مضيفاً: "كنا نخاف من أن نخسر أطفالنا في الأحداث السورية ولكن يبدو أننا سنفقدهم خلال الأحداث الدموية بغزة ".
ويلات الحصار
وفيما يتعلق بالحياة المعيشية في غزة، يوضح أنهم في غزة ذاقوا ويلات عذابات الحصار والفقر والبطالة والخوف على المستقبل, مشيرا إلى أن المأساة واحدة سواء كانت في سوريا أو غزة ، فمن حرب لا ترحم، إلى حصار وحرب لا يرحما ، على الرغم من اختلاف الجلاد، إلا أن ملة الكفر واحدة، بطش وقتل وتدمير وخراب.
ومن جهته ، يقول المتحدث باسم العائلات السورية في غزة، عاطف العيماوي، إن معظم العائلات المهجرة من سوريا والتي تعرضت منازلها للقصف, تتجمع في الوقت الحالي مع بعضها البعض, فلا يوجد لهم أقارب في غزة ، فاضطروا إلى الذهاب لمراكز الإيواء على الرغم من قلة المواد الاغاثية ".
وأضاف :" في غزة ما يقارب 400 عائلة هربت من سوريا، ومنهم فلسطينيون لاجئون أو حتى سوريو الأرض, وأغلبهم يعاني من وضع اقتصادي سيء, وهذا مرتبط بالحصار المفروض على غزة, وهم حالياً يعانون من أوضاع صعبة، فأغلب المؤسسات الإغاثية مشغولة ولا تلتفت لهم وخاصة من تجمعات مع بعضها البعض, وتغير عنوانها ".

