بدأ العام الدراسي، مثقل بأحداث لا يمكن أن تنسى مهما تقادمت بنا سنوات الحياة، ستظل خطوطا في الأفق كلما سرحت أفكارك عن أكثر القصص إرهابا .. وصمودا!، سنجدها بامتزاج غريب في هذه البقعة الصغيرة من العالم التي تسمى "نحن"، نعم نحن أهل غزة، النساء والأطفال والشباب والشيوخ، تعمدنا ببركة هذه الأرض الطاهرة فأنتجنا هذا المزيج الرائع من الصبر والثبات.
لكن ذلك لا يمنع أوجاعا ترتع كيفما شاءت، نخبئها حينا من الدهر حتى ننفرد بأنفسنا فنفجرها براكين في وجه الصمت المحدق من حولنا، المكلل بالتآمر الواضح حتى يغدو الصمت بجوارها نعمة نرجو دوامها على أن يكتفوا به دون زيادة.
كل ذلك تحمله قلوب المعلمات اللواتي نعول عليهن في بناء جيلنا القادم، بشكل يكاد يقارب دور الأمهات أو يزيد، فهن أمهات، وهن مربيات، وهن بانيات أحلامنا المستقبلية وراعيات براعمنا الصغيرة التي نرجو لها أفضل مما تعيش فيه الآن من قلق وخوف، وعام مقبل لا نعرف كيف ستكون نتائجه بعد بدايته المليئة بالشهداء والدمار والأحضان المفقودة والأحلام المسروقة.
كم من معلمة شاهدتها وقد تهدم بيتها، أو استشهد زوجها، أو حتى فقدت أحد أقاربها أو بعضهم دفعة واحدة فكيف ستقدر هذه على تحمل شغب الأطفال وصخبهم، وكيف لعقلها المشبع بالوجع والإرهاق أن يتفرغ لإفهامهم دروس طويلة وواجبات كثيرة، هل ستصرخ بهم، أم تمسك العصا، أم تبقى شاردة الذهن تفكر في ابنها الذي كان من الممكن أن يكبر هذا العام لكنه قرر البقاء عند حدود الذكرى منفردا دونها!.
أظن هذه الفئة من المجتمع بحاجة كبيرة لرعايتنا، سواء من الجهات الحكومية من خلال تخفيف بعض المناهج، أو القيام ببعض التعديلات هم أدرى بها وبكيفيتها مني، أو حتى تقديم عوامل التشجيع والتحفيز لهن، بجانب التعاون مع مؤسسات الدعم النفسي وحتى مع الأوقاف لزيادة الدروس الإيمانية وتقديم برامج التمكين النفسي والأسري لهن كي يتمكن من تفريغ كل طاقة سلبية كامنة في أنفسهن، والشعور بحال يمكنهن من مواصلة عام طويل هو مرهق بحد ذاته ككل عام فكيف بعد هذه البداية المؤلمة.
نعم هو انتصار، ونعم نحن نفسيا استطعنا كشعب أن نكون قوة غريبة التفاصيل لا يستطيع أحد في العالم مماثلتها أو مشابهتها حتى، وهي بركات نبتت من يقيننا بالله وثباتنا على طريقنا وتمسكنا بحقنا في المقاومة سواء على خطوط العدو في جبهات القتال أم حتى مقاومتنا لعوامل الإحباط والتدمير النفسي والمعنوي التي تمارس ضدنا كموظفين وكمواطنين بشكل عام.
في النهاية هم يستحقون الكثير، فلا تخذلوهم ولا تحرموهم، فإن لم تكونوا تملكون المال فلن تعدموا الوسيلة لجعلهم أقدر على استمرارية هذه الجهد الذي يقومون به طواعية وبكل حب، يحيطون أبناءنا برعايتهم وعنايتهم حتى تبقى ابنتي كمثال تسألني طوال أيام الحرب عن معلماتها واحدة واحدة، فإن كان هذا حال أبنائنا فحال المسئول يجب أن يكون أكثر تقديرا لجهدهم وعرفانا بجميلهم، فأبناؤنا وأبناؤكم بين أيديهم فأحسنوا إليهم لأنهم يستحقون، ولأن المستقبل يستحق.

