رحم الله الذين لقوا حتفهم في حوادث الغرق في البحر مما كانوا يحاولون الهجرة إلى بلاد السمن والعسل، إلى ايطاليا وأوروبا على أمل أن يعيشوا حياة مستقرة وآمنه ، ولكن هؤلاء تعرضوا لعملية احتيال ونصب قادتها مافيا متواجدة في الأراضي المصرية ولها شركاء في غزة، ليس كل هؤلاء الذين يتم الحديث عنهم قد هربوا من غزة وقد يكون الجزء الأقل منهم شبان تمكنوا من الهرب عبر أنفاق بعيدة عن عيون الأمن أو خرجوا مستغلين عدم وجود قوات الأمن خلال العدوان بعد استهداف المنطقة الحدودية، وكما هو معلوم مناطق الحدود يصعب السيطرة عليها 100%، وقد يحدث ذلك وهذا يحتاج إلى تشديد الرقابة على المنطقة الحدودية؛ ولكن أين الدور المصري في الجانب الآخر؟، أين الجيش المصري ومخابراته العسكرية؟، وكيف مر هؤلاء عبر كل الحواجز المنتشرة في سيناء؟، قلنا غزة لا أمن فيها كما يدعي البعض، فأين الأمن المصري؟، كيف وصلوا هؤلاء من رفح أو سيناء حتى وصلوا شواطئ العجمي في الإسكندرية؟، أليس هذا مثير لعلامات الاستفهام؟، ثم واضح من الأسماء أن الجزء الأكبر من المفقودين هم ممن يتواجدوا على الأراضي المصرية بعد أحداث 2007 وأن من شجعهم على الخروج قيادات كانت محسوبة ولا زالت على حركة فتح وهم يشكلون النسبة الأكبر وهي التي دفعت هؤلاء للهجرة وزينت لهم بلاد السمن والعسل ، والجزء الباقي هم من الفلسطينيين الهاربين من جحيم سوريا.
غزة ليست كما يحاول أن يصورها البعض بأن ظروفها وأوضاعها هي التي دفعت هذا العدد من الشبان بالتفكير بالهجرة وإلا ما المانع أن نجد الآلاف ممن تتشابه ظروفهم مع هؤلاء الذين ظنوا أنهم سيعيشون في رغد من العيش لو هاجروا ، لكن هناك تضليل وتشويش وغش ومتاجرة جرت أعمت بصيرة من كان يرى أن الهجرة هي الحل وهذه المسالة الحديث فيها يطول.
إذا أردت الهجرة فكر ألف مرة كيف تهاجر؟، ولماذا تهاجر؟، وأين تهاجر؟،، ولكن ثق تماما يا من تفكر بالهجرة أنك لن تجني المال ولا الاستقرار ولا الحياة الكريمة من الهجرة ، لا تفكر في نفسك فقط، فكر في المستقبل القريب، فكر بالأبناء والبنات ممن سيكونوا ضمن أسرتك، اسأل من سبقك وعاش بالغربة واسمع منه كم هو يتمنى أن تعود به الأيام إلى الوراء سنوات الهجرة كلها ليعود يعيش في المخيم والخيمة.
ثم الهجرة ليست مقصور على شباب غزة ، قارنوا غزة بالضفة ، قارنوا فلسطين بالدول المماثلة لها ولا تقع في ظروفها من حيث عدد المهاجرين، لا تجنوا على غزة وتحملوها مسئولية ما حدث، ولا تضخموا من القضية للنيل من غزة وابحثوا عمن يقف خلف قضية الهجرة والأسباب والدوافع الحقيقة التي تقف خلف فكرة الهجرة والتهجير في هذه الأيام فلا يجوز إلقاء التهم هنا وهناك بلا دليل بل لمجرد الاتهام والمناكفة السياسية بشكل مقزز ومنفر ورخيص.
صحيح ظروفنا كفلسطينيين قاسية وصعبة ولا تطاق؛ ولكن في المقابل هناك مستقبل وهذا المستقبل يحتاج إلى تضحيات يحتاج إلى مجاهدة يحتاج إلى صبر ومصابرة ، قد يقضي الواحد منا دون أن يحقق ما يريد، من قال أن لا أحلام لنا ، من قال أننا مستسلمون لحالنا؛ ولكن لو كانت الهجرة هي الحل لما بقي أحد في فلسطين وظروف الهجرة كانت أفضل بكثير، لو كانت الهجرة هي الحل لما تمسك الذين هُجروا من ديارهم عام 48 بمخيماتهم طول هذه السنين على أمل العودة يوما ما لهم وإن لم يكن فللأجيال من بعدهم.
ولو كانت الهجرة الحل كان بدلا من أن تدفع ألاف الدولارات لمافيات التهريب فهناك من يدفع لك أموالا كي تهاجر وتترك أرضك ووطنك ثمن هجرتك وترك هذه البلاد لهم كي ينعموا بها ، يا من تفكر بالهجرة وتدفع حياتك ثمنا لتفكير غير مستقيم وغير منطقي ولن يحقق لك ما تريد ، فكر كيف تبني مستقبلك في أرضك ووطنك وتمسك بها أكثر وأكثر ولا تجعل من ما هو حادث سواء الخلافات أو السياسات أو غيرها سببا للهجرة، وهنا يحضرني بيت الشعر الذي يقول :
وطني وإن جار علي عزيزٌ وأهلي إن ضنوا عليَ كرامُ
فقوا مليا يا من تهجون بعضكم بعضا وتحملونا المسئولية على هذا الطرف أو ذاك وحاولوا البحث عن حل عبر العمل الجاد والتعاون المشترك وليس عبر الهروب من تحمل المسئولية برمي الخصم السياسي بالاتهام حتى تخلوا مسئوليتكم فالكل مسئول والكل مطالب بالبحث عن حلول، هؤلاء الشباب هم مستقبلنا ومستقبل فلسطين، لا تهربوا من المسئولية، لأن اليوم قد تجدوا الشماعة وغدا ماذا ستقولون؟

