أخبار » مقالات

قراءة في انتخابات تونس

30 أيلول / أكتوبر 2014 10:15

تابع العالم أجمع باهتمام بالغ جدًّا الانتخابات التونسية؛ كونها أجريت وسط حقل ألغام متفجر، وذات انعكاسات وارتدادات ستضرب في جميع الاتجاهات، إذ أثبتت تونس أنها ما زالت بخير وتتألق، ونجحت في عرسها الديمقراطي، وبات ينظر إليها الإنسان العربي الحر والشريف باحترام وتقدير وأنها أنموذج يقتدى به، بدل الحروب والدمار والقتل كما في سوريا والعراق ومصر واليمن، والمزيد من الحروب الأهلية المدمرة في العالم العربي متوقع حدوثها، في ظل الأحقاد وتعميق زراعة الكراهية والتشويه الحاصل، والتدخلات والضغوط الخارجية التي لا تنتهي.

تراجعت نسبة مقاعد حركة النهضة الإسلامية من 89 مقعدًا في انتخابات عام 2011م، وباتت تحتل المرتبة الثانية بين الأحزاب الفائزة، فأصبحت تحتل 69 قعدًا في مجلس النواب الجديد من بين 217 مقعدًا، إذ حصلت حركة نداء تونس على نسبة (38,71%) بزعامة الباجي قائد السبسي، وحصلت حركة النهضة على (31,79%) بزعامة الشيخ راشد الغنوشي.

1300 قائمة حزبية وائتلافية ومستقلة اختارت أن تتنافس على 217 مقعدًا في مجلس النواب المقبل في تونس، تتوزع على 33 دائرة انتخابية، 6 منها للتونسيين المقيمين بالخارج، والمرشحون تنافسوا بدورهم على 5,3 مليون ناخب من أصل 10,8 مليون تونسي هم كل سكان البلاد، وهذه أرقام تشير إلى تجربة رائدة وحقيقية في الانتخابات.

تجربة تونس تقوم على المشاركة لا المغالبة، وهو ما ميزها من تجارب دول عربية محيطة، ومن المرجح تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل أطياف العمل السياسي، وهو ما يعني الشراكة الحقيقية في إدارة الوطن، دون تعطيل لأي طاقة حزبية أخرى؛ فالحرية أساس الانطلاق والتقدم والحضارة، ودونها يكون الخراب والدمار والحروب.

كيف تجنبت تونس الثورة المضادة كما حصل في مصر، ونجحت في تخطيها؟، إنه وعي النخبة السياسية مع كل ما كان بينها من خلافات ومرارات، إذ لم تتخل عن الحوار فيما بينها طول الوقت، ولذلك نجحت في تجنيب الثورة القتل والفتن، ولا ننسى عدم تدخل قوة الجيش في السياسة بعكس مصر، ووعي حركة النهضة المتميز.

الانتخابات التشريعية التونسية التي أجريت يوم الأحد 26/10 انتصرت فيها الديمقراطية، وحرية الاختيار والإرادة؛ فالشعب التونسي اختار ممثليه بحرية وشفافية، وقد شاءت المقادير أن تنطلق أجواء التغيير العربي من تونس، وألا يبقى لها أثر ظاهر بعد مضي نحو أربع سنوات إلا في تونس، وهذا لا يعني أنها انتهت في بقية البلدان، بل إنها تراجعت مؤقتًا لتتقدم لاحقًا.

صحيح أن لكل دولة ظروفها الخاصة، وما ميز التجربة التونسية أن الخريطة السياسية التي خرجت بها الانتخابات كانت بإرادة حرة، ولم يرسمها أو يفرضها أحد من الخارج، ولكن الشارع التونسي هو الذي قررها، وهي جولة من جولات متتالية؛ فقد سبق أن فازت حركة النهضة جولة سابقًا، والآن هي تخسر جولة، وغدًا قد تربح جولة.

اهتم العالم العربي والغربي بانتخابات تونس؛ كونها تأتي في ظل حروب وفتن عمياء طاحنة داخل الدول العربية، أما الصراع على الكرسي في تونس فدون دماء وسجون وقتل، وهو ما يعد أنموذجًا يحتذى به.

ستحاول دول الخليج النفطية استمالة السبسي، وهو ما تجلى بدعوته لزيارة أبو ظبي، ولكن نتوقع عدم استجابة السبسي لحظر النهضة على غرار مصر؛ لأن التجربة التونسية من الصعب قتل إنجازها وأنموذجها تحت إغراء ملايين الدولارات، ولأن تونس نجحت في تخطي الثورة المضادة، وليس من السهل جرها إليها.
هناك كلام غير علمي لتحليل نتائج الانتخابات التونسية يقول إن الإسلاميين خسروا؛ فهي جولة من جولات متتالية، والأفضل في ظل التقلبات غير معروفة العواقب التنحي جانبًا، وترقب ما بعد نهاية الزلزال.

تميزت حركة النهضة بأنها تقبلت النتائج وباركت للسبسي، ولا اتهامات بالتزوير، وليست الانتخابات مرة واحدة، ولا خوف من انقلاب، وعلى النهضة أخذ الدروس والعبر من التراجع المؤقت، وشحذ الهمم للفوز بالجولة القادمة.

ما الذي يقلق الغرب وحكام العرب من التجربة التونسية؟، ينبع قلقهم من الخشية من تعميم التجربة التونسية على بقية الدول العربية، وخاصة النفطية منها، ما يترتب عليه اختيار الشعوب العربية من يمثلهم بحق وصدق، ووقف هيمنة الغرب على النفط وخيرات العرب.

مخاوف الدول الغربية من مواصلة نجاح التجربة التونسية وتعميمها في محلها؛ فبديلها هو حرب وفتن داخلية عربية تحصد الأخضر واليابس، كما يجري في كل من العراق وسوريا واليمن، ومصر مرشحة أيضًا لذلك، إن ظل الحال على ما هو عليه من قمع للحريات وامتلاء السجون بالمعارضين، فالمنطقة العربية على كف عفريت، وفوق برميل بارود، والدول الغربية تريد بيع سلاحها، ومواصلة اقتتال العرب وسرقة خيراتهم.

الكيان العبري يتفاخر بأنه "الدولة" الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ولكن ها هي التجربة التونسية الرائدة تتم بنجاح وعرس، وتبطل مقولات ومزاعم الكيان العبري، والمطلوب المزيد من الأعراس الديمقراطية في الوطن العربي، بدل القتل والفتن والحروب والدمار.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟