من السهل جداً تقييم حدث بأثر رجعي، أي بعد انجلاء أبعاده واستقرار نتائجه، حيث يسهل التقريع واللوم وتقرير ما يجب أن يكون، فليس شيئاً كبيراً التعليق على التاريخ واكتشاف ثغرات أحداثه والأخطاء التي اكتنفت مسيرها.
واليوم، بات واضحاً جداً أية انتكاسة مُنيت بها الثورة المصرية بعد أن كُللت بحكم براءة مبارك ورموز نظامه، وهو ما يعني أن ثورة يناير لم تكن ثورة تصلح للاهتداء أو تستحق تلك الحفاوة الإعلامية التي نالتها لحظة تشكّلها وبعد انقضائها، وهذه الحقيقة تبيّنت منذ الانقلاب على إرادة المصريين واختيارهم الانتخابي، وبعد أن استردّ نظام الدولة العميقة لجام السلطة ممن شغلوها لبعض الوقت من خارج دائرتهم.
لكنّ الطريف هنا، هو انشغال غالبية المستائين من حكم البراءة بهجاء الإسلاميين وتحميلهم المسؤولية عما آلت إليه الأمور، رغم أنهم وخصوصاً الإخوان كانوا الطرف الأكثر صموداً والأكثر استهدافاً، وهم قوة الممانعة وثقلها الحقيقي ضد إرادة العسكر وانقلابهم الدموي، ورغم أن دور التيارات الأخرى اتّسم بالانتهازية والانسحابية، مع الاحتفاظ بهالة إعلامية رافقتها مع كل تظاهرة موسمية مؤقتة، يتوهم المتابعون معها أن روح الثورة ستعود لتكتسح البلاد كما كانت قبل نحو أربع سنوات.
وإن كان في حكم المعروف الآن أن الثوار أخطؤوا التقدير حين اكتفوا بإزاحة مبارك عن المشهد السياسي، فإن خطأ التقدير هذا يتحمّله جميع الفاعلين في المشهد حينها، ذلك أن العملية السياسية التي تلت الإزاحة شاركت فيها كل الأطراف بلا أي استثناء وباركتها وظنّتها أولى دعائم التغيير والاستقرار، ليأتي بعدها الطوفان غير المتوقع، فلا تصمد في مواجهته غير الفئة التي تشكّل العمود الفقري لأي تغيير أو ثورة، فيما يقرر آخرون التعايش مع الحالة القائمة أو انتهاج المعارضة الناعمة لها، وهو ما يؤكد أن هذه الأطراف ما كانت لتقدّم شيئاً مختلفاً أو مجدياً لو أن الانتخابات أفرزتها هي دون غيرها.
الطرافة الغريبة ذاتها تحضر مع من ينتقد الحراك الحالي في مصر لسلميته وعدم تطوّره باتجاه العسكرة، أو من يرى أن الإخوان هم من يعطّلون المسار العسكري الذي ينبغي أن تنتقل له الثورة، وإضافة إلى ما ينطوي عليه الحكم هذا من تنظير مريح، لأن (الذي يده في النار ليس كالذي يده في الماء)، فإن الخيار العسكري لا يمكن أن يحضر في أية ساحة إلا حين يتوفر استعداد نفسي كامل لتحمل تبعاته، وعند حضوره لن يكون بمقدور أي تيار تعطيله حتى وإن اختار مساراً سلمياً، ومع أنه بات مفهوماً أن الجيوش الدموية لا تردعها التحركات السلمية إلا أن المرء لا يسعه أن يطالب بسقف عالٍ للتحركات وهو آمن وبعيد عن ساحة الفعل، أو غير مبصرٍ لحجم النزيف فيها، فالخيارات باهظة الثمن لا تحصل بالتمني، أو بالمطالبات من بعيد. وحدها ساحاتها من تفرزها وتفرضها في التوقيت المناسب، وحينما يتوفر وقودها (نادر الوجود في العادة).
لكنّ ما يبدو الآن أن تراكم الأخطاء والعثرات والتحديات في مسيرة الربيع العربي كان أمراً طبيعياً ومتوقعاً في ظل حالة تغيّر فجائية أعقبت قروناً من العتمة، لكن مسؤولية هذه العثرات لا يتحمّلها طرف دون آخر، بل إن الفقاعات والظواهر الصوتية الفارغة ومن تحوّلوا إلى أدوات في أيدي العسكر أو من انسحبوا من منتصف الطريق هم أول المسؤولين عن حالة التيه الحاصلة وهم من ساهموا في انحراف البوصلة وصولاً إلى مرحلة الثورات المضادة التي أفرزت أجندات بعيدة عن همّ الحرية والكرامة، وجنّدت طاقاتها لذبح تيارات الإصلاح والمقاومة في الأمة.
ولكن من قال إن المسيرة انتهت وإن عهد الاستبداد والظلم قد أحكم قبضته ودفن إرادة الحياة، (على ندرتها)؟ فالفجر النهائي لن تصوغ معالمه الأيدي المرتجفة، و(على قدر أهل العزم تأتي العزائم)، وعلى قدر طاقة الثابتين حتى النفس الأخير تكون ضراوة المعركة الفاصلة، وهؤلاء سيكونون قلة، لكنّ فعلهم كبير وحاسم.
رابطة علماء فلسطين تحذر من خطورة استمرار منع الأذان وإغلاق المسجد الإبراهيمي

