عندما كان يخرج علينا بعض القيادات بالسلطة الفلسطينية وينكرون وجود التنسيق الأمني، كنا نصدّق ذلك لأننا نثق بقياداتنا الوطنية، ومن لا يصدّق كان في مرحلة التشكيك وليس الجزم، فربما التجاذبات السياسية هي من تدفع حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وأطراف فلسطينية لاتهام السلطة بالتنسيق الأمني وكأنه عار على من يمارسه، وخيانة للوطن ولدماء الشهداء.
وبدأت الصورة تتكشف رويداً رويداً، فبعد استشهاد زياد أبو عين عضو المجلس الثوري لحركة فتح بدأ الرأي العام يستمع لأحاديث مختلفة بعض الشيء، وهي مطالبة قيادات وازنة في السلطة بوقف التنسيق الأمني، تلك الشخصيات هي من أنكرت بالسابق وجود التنسيق الأمني وقالت: إن ما يجري هو تنسيق مدني حياتي لتسيير شؤون الناس, مثل قضايا التحويلات العلاجية والمعابر والحواجز والعمال وبطاقات الهوية, إلى آخره من القضايا التي لا يعترض عليها أحد من أبناء الشعب الفلسطيني، وحتى حركة حماس تحدثت عن ذلك في خطاب نيل الثقة للحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها.
الجديد في الموضوع هو قرار القيادة الفلسطينية الذي صدر يوم الأحد الماضي، والذي ربط إعادة النظر في شكل العلاقة مع الاحتلال (التنسيق الأمني)، بفشل كل الخطوات السياسية والقانونية سواء التوجه لمجلس الأمن للاعتراف بمشروع يقضي بإنهاء الاحتلال، أو الانضمام للمنظمات الدولية، وهذا خير دليل على أن التنسيق الأمني ليس قضية صغيرة بسيطة كما حاول البعض تصويرها، وإنما هي تبادل معلومات وأدوار أمنية لمحاربة الإرهاب والإرهابيين، والمقصود بذلك المقاومة الفلسطينية ومن يؤمن بها، وبذلك يكون التنسيق الأمني عبارة عن جاسوسية مشروعة مع الاحتلال الصهيوني، ومنظمة باتفاقيات ثنائية ودولية، لعل أهمها وثيقة الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسحق رابين عام 1993م، واتفاق أوسلو 1994، واتفاق طابا 1995.
ورهن المجتمع الدولي و(إسرائيل) مساعداتهما ومنحهما التي يقدمانها للسلطة الفلسطينية بالتنسيق الأمني، وبذلك أصبحت رواتب موظفي السلطة التي تشكل أحد أهم مرتكزات ديمومتها واستمراريتها مرهونة بمحاربة الإرهاب والإرهابيين!! وبذلك نستطيع أن نقرأ سياسياً سبب قرار القيادة وعلى رأسها الرئيس محمود عباس بالحفاظ على التنسيق الأمني، وتشبيهه بأنه مقدس، واستخدامه كورقة حسم أخيرة في قرار القيادة الأخير يكشف حجم وأهمية التنسيق الأمني بالنسبة للاحتلال، ويؤكد صوابية من كان يهاجم التنسيق الأمني، والذي أعرفه وأوجز في تعريفه بأنه السلطة الفلسطينية، فإن توقفت عجلة التنسيق الأمني، سيتوقف قلب السلطة عن النبض, وبعد لحظات سيعلن عن وفاة الجنين المشوه الذي أنجبته اتفاقية أوسلو، لأن المال السياسي الغربي مرهون بعملية التنسيق الأمني.
وفي رؤية استشرافية حول إمكانية أن تتوقف السلطة الفلسطينية عن التنسيق الأمني أقول: إن التنسيق الأمني لم ولن يمس طالما استمر محدد المنفعة، والمصلحة الفردية، والتنظيمية، والجهوية، وغياب المؤسسة، هو المحدد الرئيس في صناعة القرار السياسي لدى قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.
ومن هنا ينبغي العمل الجاد من قبل القوى الحية في الشعب الفلسطيني للضغط على الرئيس محمود عباس والقيادة لإجراء انتخابات عاجلة للمجلس الوطني، والمجلس التشريعي، والرئاسة حتى تتجدد شرعية تلك المؤسسات وتصبح المؤسسة هي من يصنع القرار وليس الفرد، وسيصب ذلك في مصلحة المشروع الوطني التحرري القائم على العودة والتحرير.
رابطة علماء فلسطين تحذر من خطورة استمرار منع الأذان وإغلاق المسجد الإبراهيمي

