لا أحد من المتظاهرين المتضررين من الحرب يريد الإضرار بأي من موظفي ( الأنروا ) بغزة البتة، وتاريخ عمل الأنروا في غزة يشهد على احترام سكان قطاع غزة للعاملين الأجانب في وكالة الأنروا، ولم تسجل صفحات تاريخ ستة عقود أي اعتداء عنيف ضد الأنروا أو ضد موظفيها. ولكن ثمة فرق كبير بين مفهوم الاعتداء، ومفهوم حق التظاهر والاحتجاج. كما ثمة فرق كبير بين الاحتجاج ضد الأشخاص، والاحتجاج ضد السياسات.
ومن هنا لا يجب الخلط بين الاحتجاج السياسي والأفراد، لأن عملية الخلط سواء أكانت متعمدة من قيادة الأنروا، أو غير متعمدة، تعقد المسائل، وتجعل الأنروا طرفا في إقرار سياسات غير مرغوب فيها من طرف المستفيدين من خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين.
ما كان في الأيام الماضية من احتجاجات، وتظاهرات في غزة، قام بها المتضررون من الحرب، والمتضررون من قرار وقف الأنروا لدفعات بدل الإيجار، وغيرها من المساعدات. كان الاحتجاجات ضد سياسات تداعياتها تضرر بالمواطنين، وتعطي انطباعا أن قيادة الأنروا استسلمت للسياسات الإسرائيلية، وأنها باتت جزءا شريكا في إيجاع الناس، وزيادة آلامهم.
لم تكن الاحتجاجات موجه ضد فرد أو موظف، ولا تهدد حياة موظف، ولا تعتدي على مؤسسة الأنروا ومكاتبها، ومن ثمة لا مبرر أبدا لقرار السحب المؤقت للموظفين العالمين في ملف إعادة الإعمار، لأن قرار السحب ذاته فيه عقاب لغزة وللمتضررين، بل وتحد، ولوي ذراع لهؤلاء المتظاهرين، الذين أبدوا عدم تفهمهم لسياسية وقف المساعدات، حتى وإن تخلفت الدول المانحة عن الوفاء بتعهداتهما.
قرار سحب الموظفين مؤقت قرار خاطئ مائة في المائة، ويصب البنزين على النار، لأن عمل الأنروا في جوهره عمل إنساني، ولا إنسانية أبدا في قرار السحب أبدا، بل إن فيه لوي ذراع لغزة، وللمتضررين، بينما كان المنطق يوجب أن يكون المتضرر شريكا في القرار. وقد طلبنا في مقال سابق من قادة الأنروا بغزة أن يدعوا المتضررين والمجتمع المدني، إلى ورشة عمل، أو مؤتمر، لمناقشة الموضوع، والخروج بقرار مشترك، يكون فيه منطق، وعلم، وتفهم، ولكن قيادة الأنروا عملت منفردة، وعملت باستعلاء.
إن فرصة تكوين ( شراكة حقيقية) بين الأنروا والمتضررين والمجتمع المدني في غزة ما زالت قائمة، ويمكن تدارك أخطاء الفردية والاستعلاء إذا حسنت النيات وتوفرت الإرادة، وأحسب أن لدى أبناء غزة تفهما جيدا وعاليا للأنروا، ولمكونات المشكلة، وتعقيدات الحل، وهم من أكثر سكان العالم مرونة ووعيا وتفهما، وليس فيهم الصفات العدوانية التي تعرض حياة العاملين في الأنروا للخطر ، على نحو ما نجد في بلاد أخرى.
الأمن في غزة جيد، والأهم منه أنه الوعي بين الناس أجود، وبإمكان الأنروا أن تبني في الأشهر القادمة على سياسة إشراك الوعي الفلسطيني في القرار، من خلال علاقات مباشر، لا تفسدها مواقف السياسة التي تحاول الاستفادة من عرقلة الإعمار، وهو الموقف الذي تتبناه دولة الاحتلال، وتتخذ منه أداة لتحقيق أهدافها السياسية التي فشلت في تحقيقها بالحرب، وبالقصف، وبالتدمير.
رابطة علماء فلسطين تحذر من خطورة استمرار منع الأذان وإغلاق المسجد الإبراهيمي

