في غزة تجد أوضاعاً تتدحرج تباعاً ككرة ثلج تأخذ في طريقها كل ما يعترضها دون استئذان، مواطنون عايشوا الحصار بشتى أنواعه وألوانه وصنوف معاناته حيث الفقر المستفحل والبطالة التي تؤرق مضاجعهم.
فهناك عمال حرموا من جمع لقمة عيشهم داخل حدود أراضينا عام 48 ، وأخرون ارتبطت أعمالهم بالبناء والأعمار، وصولاً إلى الخريجين الذين لا يجدون فرصة عمل في ظل الوضع الراهن الذي يعيشون .
دائرة من المعاناة والألم لا بداية لها ولا نهاية ، لتلتقى الـ" الرأي" العامل علي أبو الكاس ذو الخمسين عاماً والذي قضى جل حياته يعمل داخل الخط الأخضر كما يقول "الأراضي المحتلة " فكانت الحياة حياة بما تعنيه الكلمة ، وكان العامل وقتها ملك زمانه .
وأضاف :" منذ قرابة العشرين عاماً تبدل الحال فأصبحت حياتنا جحيماً لا يطاق ، في التفكير والبحث عن عمل آخر في داخل القطاع ، لإطعام صغاري البالغ عددهم التسع ، ولكن دون جدوى فقد كان الحصار يشتد يوماً بعد الأخر ومن يعمل بات في عداد العاطلين عن العمل لأقرر أن أبيع بعض الحلويات والسكاكر للأطفال بالقرب من منزلنا "
وأكد أبو الكاس أن حال العامل متفاقم ومستفحل قبل أن يسوء حال الكثيرين ممن يعملون في قطاع غزة، مطالباً كل الجهات المعنية سواء في غزة أو في الضفة الغربية بالنظر بعين الاعتبار لحال العامل الفلسطيني وبالذات في غزة ، وإيجاد حياة كريمه لهم ولعوائلهم .
أما أبو يوسف درويش ذو الـ35 عاماً شاب حياته بسيطة ويعد الابن الأكبر لعائلته عمل منذ نعومة أظافرة ليصرف على عائلته ليكمل المرحلة الجامعية للحصول على شهادة تكون سبيل النجاة له ولعائلته من وضع اقتصادي متدهور ليكون الحصار .
وقال أبو يوسف:" بالرغم من الصعاب إلا أنني أردت أن أكمل دراستي لأفاجئ بالبطالة تنتظرني ، لم أيأس أو أعول على وظيفة قد لا تأتى في الوقت المتأزم الحالي، لأتخلى عن الشهادة الجامعية واقتحم مهنة الطوبار والعمل في حر الصيف وبرد الشتاء لتوفير لقمة عيش بسيطة تسترنا "
وأضاف:" تحملت قسوة المسئولين عن العمل أنهم يعطوا للعمال الفتات وعلى حساب صحتهم، حتى هذه حوربنا فيها فبات عملنا مرهون بدخول الأسمنت إلى البلد ، إلى جانب حالي وحال الكهربائي والبليط والدهان وجميعهم عمال لديهم عوائل"
وتابع:" طول ما في عمار في شغل لما يتوقف العمار يتوقف الشغل فكيس الاسمنت بيحرك البلد، فرص العمل المؤقت المعروفة "بالبطالات والتي لا تتعدى العام أو البضع شهور تم إيقافها من قبل حكومة التوافق وإن تم بتكون تمويل داخلي من الحكومة"
وأكد أنه هو وكل شباب جيله يعانوا الكأس نفسه ، جيل أعدمت قدراته الشبابية ، فباتت غزة مقسمة إلى ثلاث أقسام جيل عمل من أول وهم الأكبر منه ، وجيل أصغر يحاول جاهدا وجيله المعدم بالكامل فلا فرص عمل .
الانفجار المرتقب
بدوره، أشاد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال سامي العمصي بصمود العامل الفلسطيني أمام الأوضاع الصعبة التي يعيشها ، حيث الأرقام الخيالية في بلوغ نسبة البطالة إلى أكثر من 50% والفقر إلى 70% ، موضحاً أن عدد المتعطلين عن العمل في قطاع غزة بلغ ربع مليون عاطل عن العمل .
وأكد العمصى للـ" الرأي" أن جميع القطاعات تعانى حيث قطاع الإنشاءات وما يعانيه من عجز ومنع في كثير من الأوقات لدخول الأسمنت حيث لا يتعدى ما يدخل منه ال10% الأمر الذي ينعكس سلباً على العامل الفلسطيني .
أما على صعيد قطاع الصيد فقرابة 1200 صياد يمارسون مهنة الصيد من أصل 3500 صياد وذلك يرجع إلى الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية تجاه الصيادين ومصادرة معداتهم، كما لم يسلم قطاع الصناعات ففي الحرب الأخيرة على غزة ما يقارب من 500 ورشه قد تم تدميرها ، عدا عن قائمة الممنوعات حيث الأخشاب ومعدات الطلاء وغيرها.
أسباب ومسببات
وأرجع العمصى سبب التدهور بالمقام الأول إلى الاحتلال الإسرائيلي حيث الحصار المشدد،من ثم الانقسام الفلسطيني وما تبعه من رفض وإحجام كثير من المؤسسات عن تقديم المساعدات لهم .
وأكد أن دور حكومة الوفاق وأصحاب القرار مغيب ، لتصبح قضية العمال خارج نطاق اهتماماتهم، لافتاً إلى ضرورة تحمل الجهات المعنية والشركات الوطنية كالاتصالات وبنك فلسطين وشركة جوال التي تصل أرباحها السنوية ل100 مليون دولار مسؤوليتها تجاههم .
وقال العمصي:" إلى الآن لا يوجد بصيص أمل فالوضع يتجه إلى كارثة إنسانية حقيقية تتفاقم عاما بعد أخر مقارنة بالأعوام الماضية فمن 120 ألف عامل عن العمل إلى 180 ليصل في عامنا هذا إلى 220 مليون عامل متعطل عن العمل "
وأضاف :" المدقق في الوضع يعرف تماما بأنها كارثة حقيقية قد تنفجر في أي لحظة أذا ما أستمر الوضع على ما هو عليه ولن يسلم منه أحد "
وأكد العمصى أن النقابات لديها برامج اغاثية ولكن أمام هذه الأرقام يكون متواضع حيث الجيش الهائل من المتعطلين عن العمل موضحا أن الحكومة قد تخلت عنهم، وأن دور النقابة يتمثل في إيصال صوته للمسئولين داخليا وخارجياً وإظهار معاناتهم .
وأشار إلى وجود لجنة قانونية لمتابعة العمال في أماكن عملهم وقضاياهم دون تقاضيها لأي اجر لافتا إلى أن ما يقدمونه لا يرتقى لحجم المعاناة متسائلاً إلى متى ستبقى هذه الشريحة خارج الاهتمام .
وطالب بإقرار الحد الأدنى للأجور حسب ما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية في غزة، لافتا لوجود عمال يعملون ساعات طويلة برواتب متدنية في مخالفة واضحة لقانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000م.
ودعا العمصي إلى تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، لما له من مصلحة وطنية تعود على كافة فئات المجتمع ومن بينهم شريحة العمال.
جدير بالذكر، أن يوم العمال العالمي هو عيد سنوي تحتفل به معظم دول العالم حيث تم إعلان الإجازة رسميًا من قِبل الكونجرس الأمريكي في الأول من أيار/ مايو 1958م بناءً لحادثة تاريخية لا يزال يشهد عليها التاريخ وتذكرها الأجيال، وهي ما تُعرف بـ "ذكرى هايماركت" هذه الحادثة لم تكن الأولى والأخيرة بحق العمال، ولكنها كانت الأبرز والتي شكلت مصدر قلق، وأرّقت الكثير من أصحاب السلطات الذين حاولوا إصلاح العلاقة مع الطبقة العاملة في المجتمع، مع الاعتراف بحقوقهم، وإقرار إجازة لهم.
ويُسمى أيضًا بيوم العمل، ويأتي هذا اليوم تأكيدًا على التضامن مع العمال، وإقرارًا بحقوقهم المتمثلة في الحياة الكريمة، وتحسين ظروف العمل، مع مجابهة الأضطهاد والظلم الواقع عليهم.

