ستبدأ الجَلسة صَباحَا، وَقد يأتي أو يغيب المُستشار ما دامَ العباد في نظرِهِ عبيد، سوف يتنحنح القاضي ويبدأ بفتح المَلفات التي تَعفن فيها الحَق، يَنظر مِن أسفل نظارتِه، الجَميع موجود، الحُضور، مُحامي الدفاع، المُدعي، لكن المُدَعى عَليه غائب!، يَغضب، يأمر الشاويش بالنِداء عَليه!
يلتَفت الحضور ويتبادَر إلى ذهنهم أن اسما مشابها عَلِق بذاكرتهم منذ أيام يشبه هذا الاسم، لا يتجرأ أحدهم على طرح تخميناتِه، يصيح الشاويش: سَيدي القاضي، المُدعَى عَليه "شهيد".
يُغلَق المَلف ويبدأ القاضي بالتحضير لمُحاكمة أخرى يغيب عنها المُستشار القانوني لجهاز الأمن الوقائي والكثير الكثير من الإنسانية.
هكذا تبدأ محاكمة الشهداء في المحاكم العادلة التي لا تميز بين شهيد وبين ميت وبين مجرم وبين آخر مقاوم يدافع عن شرف قضيته.
تنسيق مخلص
مازال التنسيق الأمني يعمي بصيرة أجهزة المخابرات الفلسطينية في أراضي الضفة المحتلة، فوصل التنسيق الأمني ذروته بعد رفع محاكمة رسمية من الجهات الفلسطينية على الشهيد باسل الأعرج، الذي ارتقى إثر اشتباكات مباشرة مع قوات الاحتلال في مدينة رام الله.
فلم تكتفي المحكمة الفلسطينية باستمرار محاكمة "الأعرج" بعد استشهاده وإكماله بحق رفاق دربه، فامتد البطش إلى قمع مسيرة منددة بمحاكمته أمام مجمع المحاكم في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة أمام كاميرات الإعلام.
التهمة، حيازة سلاح غير مرخص ومخالف لأعراف التنسيق الأمني لدى أجهزة المخابرات التابعة للسلطة الفلسطينية، فلا يمكن السماح لأي كان من أبناء الشعب الفلسطيني مخالفة شرائع وقوانين الأمن داخل الأراضي المحتلة.
لم تشفع الشهادة لـ"باسل الأعرج" بإيقاف محاكمته إلا بعد أن تم التأكد تعميم موته، وذلك وفق القانون الذي ينص على "انتهاء القضية بموت المتهم"، بينما قررت استكمال ملف رفاقه الخمسة، وتأجيل محاكمتهم حتى 30 إبريل المقبل.
الشهيد الأعرج كان قد تعرض للاعتقال لدى جهاز "المخابرات العامة"، عدة أشهر بتهمة التخطيط مع خمسة شبان آخرين لتنفيذ عمليات للمقاومة، وأعاد الاحتلال اعتقال الشبان الخمسة، باستثناء الأعرج الذي بقي مطاردًا حتى استشهاده الاثنين الماضي.
غضب شعبي
وأثار قرار انقضاء محاكمة الشهيد الأعرج دهشة وغضب الشعب الفلسطيني تنديداً لأفعال السلطة بحق أبنائها، مما دفعه للخروج في مظاهرات عفوية غاضبة غير مخطط لها، فما كان من أجهزة المخابرات الفلسطينية سوى تفريق المظاهرات وإصابة بعض المتظاهرين بجروح ومن بينهم والد الشهيد الأعرج.
وأطلق نشطاء الإعلام الجديد تغريدات منددة ومستنكرة لما يحصل في مدينة رام الله عبر هاشتاق موحد #سيحاكمكم_باسل، والذي اعتلى مراتب التغريد على مستوى الوطن العربي.
الكاتبة والإعلامية في الضفة المحتلة مجدولين حسونة عادت بقلمها إلى الوراء خمسة أعوام، لتستذكر حادثة مشابهة لحالة الشهيد باسل الأعرج، وهو الشهيد محمود الطيطي، فقالت :" ولو أردت كتابة تفاصيل العار والحرقة حول محاكمة باسل الاعرج لما أضفت سوى حيثيات صغيرة حول اسم الشهيد وعائلته فقط ومكان المظاهرة".
وكانت حسونة قد كتبت في غياب الشهيد "الطيطي" :" محمود، فور سماعي لنبأ استشهادك جراء مواجهات مع الاحتلال الصهيوني في مُخيم الفوار بالخليل خطر ببالي أن أقولُ لكَ شيئا ما، فتحتُ حسابكَ على الفيس بوك، كنتَ مِن ضمن قائمة الأصدقاء عندي فأنتَ من المُهتمين بقضية الأسرى، فتشتُ صفحتَكَ بِدقة رغم أنني لَستُ ممن ينبشون الذكرى وهي رَطبة ولا أجيد العَبث بمحتويات الشهداء، بكلماتهم ووصاياهم المُغلفة بضحكات بينهم وبين أصدقاءهم الذين ظلوا على قَيد الاعتقال أو الشهادة، لكنني رغبتُ أن أكتبَ لغيابِك، وعندما وقعت عينايَ على خبر كنتَ قد كتبتهُ عن جلسة محكمتك التي تأجلت منذ عام 2010 أحببت أن أنحني للغياب وللموت فهو الوحيد القادر على مخالفة جلسات محاكم أجهزة أمن السلطة.
وتابعت حسونة بقولها :"خطر ببالي أن أقول للسلطة التي أودت بوطنِكَ الذي كُنتَ تعشقه:" مَن تَدعونَ عَليه وتعاقبونه على انتماءه للوطن أصبح شهيدا يا أجهزتنا الأمنية، فلتخجلوا، وتذكروا رسالة محمود درويش إلى قاتل "لو تأملت وجه الضحية، وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز، كنت تحررت من حكمة البندقية، وغيّرت رأيك: ما هكذا تستعاد الهوية".
وأرفقت حسونة غضبها بهاشتاق #سيحاكمكم_باسل، مذكرة بتكرار العار ذاته من قبل أجهزة المخابرات الفلسطينية ومحاكم الصلح التابعة لها وطنيا في الحفاظ على أمن الاحتلال، وأن وصمة العار التي ألصقتها السلطة على جبينها بنفسها لم تكن لأول في تاريخها، ولن يتوقف مسلسل الانتهاك لحرمات الشهداء وذويهم حسب سياسات السلطة.

