أبدت العديد من دول العالم رفضها المطلق لاستخدام الولايات المتحدة أمس الاثنين حق النقض (فيتو) ضد مشروع قرار طرحته مصر للتصويت في مجلس الأمن الدولي يرفض إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقالت وزارة الخارجية التركية إن أنقرة تأسف لاستخدام أميركا الفيتو ضد قرار يدعو إلى سحب إعلان واشنطن القدس عاصمة لإسرائيل، وأضافت الخارجية التركية في بيان لها أن "وقوف الولايات المتحدة وحيدة في هذا التصويت هو علامة واضحة على عدم مشروعية قرارها بشأن القدس"، وعلى أن واشنطن "فقدت موضوعيتها".
وذكرت مصادر في مكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الأخير ورئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي بحثا استخدام أميركا حق النقض ضد قرار مجلس الأمن، واتفق أردوغان وماي على ضرورة تجنب أي توتر جديد قد يعرض للخطر عملية السلام بالمنطقة.
وأعربت مصر عن أسفها لعدم اعتماد مشروع القرار الذي تقدمت به بشأن القدس، والذي دعمته 14 دولة عضوا بالمجلس. وجاء في البيان الصادر عن الخارجية المصرية أن مشروع القرار جاء "استجابة لضمير المجتمع الدولي الذي عبّر بوضوح عن رفض اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل".
فرنسا وبريطانيا
وأكدت فرنسا وبريطانيا أن القدس هي "مفتاح حل الدولتين"، وقال المندوب الفرنسي بمجلس الأمن فرنسوا دولاتر "دون اتفاق حول القدس لن يكون هناك اتفاق سلام"، مذكرا بـ"الإجماع الدولي بشأن حل الدولتين".
وقال المندوب البريطاني في المجلس ماتيو رايكروفت إن "الولايات المتحدة ستواصل القيام بدور مهم جدا في عملية البحث عن السلام في الشرق الأوسط".
من جهتها، أعلنت روسيا دعمها لمبدأ إنشاء دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وأكد المندوب الروسي في مجلس الأمن فلاديمير سافرونكوف استعداد بلاده للعب دور "وسيط نزيه" في تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ونقل سافرونكوف تحذيرات روسيا مما وصفها بالخطوات الأحادية التي تتسبب في زيادة حدة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
بلغاريا تعترض
من ناحيته أكد مستشار رئيس جمهورية بلغاريا لشؤون الرئاسة البلغارية للاتحاد الأوروبي نيكولاي ميلكوف، أن بلغاريا تؤيد قرارات الأمم المتحدة والموقف الرسمي الصادر عن الخارجية البلغارية الرافض لإجراء اي تغيير على وضع مدينة القدس قبل التوصل إلى اتفاق بين الطرفين.
جاء ذلك خلال اجتماعه مع سفير دولة فلسطين لدى بلغاريا أحمد المذبوح، الذي أطلعه على عدم شرعية اعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس كعاصمة للاحتلال الاسرائيلي.
واعتبر ميلكوف، أن إعلان الرئيس الأمريكي ترمب يتناقض مع القانون الدولي، وبالتالي فهو قرار لاغٍ وباطل ولا تترتب عليه أي تبعات قانونية.
وشدد على أن الجانب الفلسطيني يستطيع الاعتماد على الاتحاد الأوروبي لموقفه المتزن والمتفق مع القانون الدولي ليكون وسيطاً في مفاوضات السلام، كما وعبر عن أمله بأن يكون وزير الخارجية البلغاري السابق (نيكولاي ملادينوف) المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط وسيطًا نزيها.
وأضاف ميلكوف، "بما أنه لا جدال على عدم قانونية إعلان ترمب فإنه يدعو الى خفض التوتر الناتج عن هذا الإعلان الأميركي، وتجنب التصعيد والمزيد من الضحايا والعودة إلى الحوار".
لبنان وقطر
وأعرب لبنان عن أسفه لعرقلة واشنطن اعتماد مشروع بمجلس الأمن بشأن القدس، مشيدا في الوقت ذاته بتصويت 14 دولة عضوا بالمجلس لصالحه، وأوضحت وزارة الخارجية اللبنانية أن بيروت تأمل في "بروز وسطاء جدد فاعلين ويتمتعون بالنزاهة، يمكنهم قيادة السلام العادل والشامل، حتى لا تسقط المنطقة في الحروب".
كافة أعضاء مجلس الأمن إلا أميركا أيدوا مشروع قرار يرفض أي تغيير في الوضع القانوني لمدينة القدس (رويترز)
وجددت المندوبة الدائمة لقطر لدى الأمم المتحدة علياء أحمد بن سيف آل ثاني تأكيد موقف دولتها الثابت من القضية الفلسطينية، وقالت إن قطر ترفض أي إجراءات من شأنها أن تغير في وضع مدينة القدس الشريف القانوني، وفق ما نصت عليه قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة ذات الصلة.
وذكر الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي القرة داغي في حسابه بتويتر أن استخدام أميركا حق النقض ضد مشروع قرار القدس بمجلس الأمن "يعد إرهابا واستخفافا وتحديا لدول العالم أجمع".
المواقف الفلسطينية
وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه من "الجنون" القبول بدور أميركي وسيط في عملية السلام، وذكر الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة لوكالة الصحافة الفرنسية أن "استخدام الفيتو الأميركي مدان وغير مقبول ويهدد استقرار المجتمع الدولي لأنه استهتار به".
وأكد أبو ردينة أن "هذا الفيتو سيؤدي إلى مزيد من عزلة الولايات المتحدة، كما سيشكل استفزازا للمجتمع الدولي"، مشيرا إلى مواصلة التحركات الفلسطينية في الأمم المتحدة وفي كافة المؤسسات الدولية "للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني".
وقال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي إن الفلسطينيين سيدعون إلى اجتماع طارئ للجمعية العامة للأمم المتحدة بعد الفيتو الأميركي بمجلس الأمن. وقال المالكي للصحفيين في رام الله إن الفلسطينيين سيتحركون في غضون 48 ساعة، مضيفا أن المجتمع الدولي سيعتبر قرار الرئيس الأميركي باطلا وملغيا.
الرئاسة الفلسطينية وصفت استخدام أميركا الفيتو ضد مشروع قرار القدس بمجلس الأمن بأنه استهتار بالمجتمع الدولي
واعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) استخدام الولايات المتحدة حق النقض يؤكد "أن الرهان على أميركا كوسيط نزيه في إيجاد حل للقضية الفلسطينية كان رهانا خاسرا ومضيعة للوقت"، وحملت حماس الإدارة الأميركية "بهذه القرارات المتهورة كل ما سيترتب على ذلك من اضطراب وعدم استقرار في المنطقة".
شكر إسرائيلي
بالمقابل، وجّه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الشكر إلى المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي بعد أن استخدمت حق الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار يدين الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقال نتنياهو في تغريدة على تويتر "شكرا للسفيرة هيلي، لقد انتصرت الحقيقة على الأكاذيب، وشكرا للرئيس ترمب" قبل أن يكرر "شكرا لك نيكي هيلي".
جدير بالذكر، ان كلمة فيتو لاتينية الأصل وتعني "أنا أعترض" وشاع مدلولها أكثر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام الأمم المتحدة عام 1945 من القرن الماضي وبموجب موازين القوى ومنطق الدول المنتصرة في الحرب منح خمسة من أعضاء مجلس الأمن الدولي الـ15 حق النقض (فيتو).
وكانت الدول المعنية هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا وجمهورية الصين.
حيث وقفت واشنطن 36 مرة في وجه قرارات تنتقد إسرائيل أو تطالبها بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 وبعدها إلى جانب رفض قاطع لإدانة إسرائيل بسبب حرقها المسجد الأقصى أو اغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس عام 2004.
وعام 2011 أفشلت الولايات المتحدة مشروع قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي رغم موافقة 14 عضوا عليه.
وقبل ذلك بربع قرن لجأت الولايات المتحدة لحق الفيتو عام 1976 ضد مشروعي قرار كانا يطالبان بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره لتأتي اليوم باستخدامه ضد قرار يدين الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

