يحل عام جديد على قطاع غزة، دون أن يتغير شيء من حاله البائس، فالحصار لا يزال يلقي بظلاله على أكثر من 2 مليون مواطن يعيشون ظروفا مأساوية وحياة اجتماعية واقتصادية ومعيشية صعبة جدا، في ظل ارتفاع نسبة البطالة والفقر، في وقت يأمل فيه أهالي غزة الخروج من خانة الأزمات المتلاحقة التي عصفت بهم وجعلت القطاع المحاصر على شفا هاوية.
ويعتبر عام 2017 الأكثر سوءا وصعوبة على أهالي غزة بسبب توالي الأزمات التي أنهكت الاقتصاد المتعثر، خاصة بعد العقوبات التي فرضها الرئيس محمود عباس، والتي تمثلت في خصم 30% من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية بغزة، إضافة إلى توقف الحكومة في رام الله عن دفع فاتورة الكهرباء، ما نتج عنه خصم 50 ميغاوات من الخطوط الإسرائيلية المغذية للقطاع، فضلا عن وقف التحويلات الطبية للمرضى بغزة.
أوضاع متردية
وظهرت أبرز أوجه تردي الواقع الاقتصادي بغزة في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث عمَ الإضراب جميع المحلات التجارية وذلك احتجاجًا على سوء الأوضاع الاقتصادية، فيما وضعت لافتات على أبواب المحلات التجارية مكتوب عليها "إضراب لتردّي الأوضاع".
ويوضح أصحاب بعض المحال، أن هذا الإضراب يأتي في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتردي الحركة الشرائية من المواطنين، مشيرين إلى أن الحركة الشرائية بدأت بالتراجع مؤخرا؛ خاصة في الأشهر العشرة الأخيرة التي تلت فرض الإجراءات العقابية من السلطة الفلسطينية على الموظفين، وتأخر صرف رواتب الموظفين في غزة.
ولم يقتصر الاضراب في خان يونس، حيث عم الاضراب التجاري في بيت لاهيا شمال قطاع غزة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية تزامنا مع استمرار العقوبات التي يفرضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتواصل الحصار الاسرائيلي على القطاع.
ويعاني قطاع غزة المحاصر من عدة أزمات خلال 11 عاما، أثرت على جميع المجالات الحياتية منها الأوضاع الاقتصادية، التي أدت إلى تفاقم مأساة الأهالي في غزة.
وحسب مركز الإحصاء الفلسطيني، فقد شهد عام 2017 ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات البطالة، إذ بلغ 46.6% في الربع الثالث من عام 2017، وتجاوز عدد العاطلين عن العمل أكثر من 243 ألف شخص.
أما وفق البنك الدولي فإن معدلات البطالة في غزة تعتبر الأعلى عالميًا، إذ تجاوزت 67% بين فئة الشباب والخريجين من الفئة العمرية بين 20-29 سنة والحاصلين على مؤهل دبلوم متوسط أو بكالوريوس.
تحذير هام
وحذر الخبير الاقتصادي نهاد نشوان، من أن قطاع غزة لن يصمد أكثر من ثلاثة شهور إذا استمرت الأزمات، ولم يتم حل المشاكل العالقة من قبل حكومة الوفاق والفصائل الفلسطينية، موضحا أن قطاع غزة مقبل على مرحلة خطيرة، وعلى شفا الانهيار.
وقال نشوان في حديث للرأي: "إنه في حال تعثر الملفات الشائكة التي تم تأجيلها، فإن الواقع الاقتصادي والمعيشي لأهالي غزة سيكون أكثر سوءا، لكن في حال تم التعامل مع تلك الملفات بجدية من قبل الحكومة فإن من شان ذلك أن ينقذ الوضع المتدهور بغزة"، مؤكدا أن أكثر ما يؤثر سلبيا على الواقع الاقتصادي بغزة هو مجزرة الرواتب بحق موظفي السلطة وتداعياتها، وتأجيل حل مشكلة موظفي غزة.
ووفق ما ذكره فإنه لا يوجد هناك صادرات ولا تجارة داخلية أو خارجية، كما أن عوائد الدخل محدودة جدا، لافتا إلى أن أهم أسباب الركود الاقتصادي بغزة هو ندرة المال لعدم وجود مدخولات، لأن قطاع غزة يعتمد على رواتب الموظفين، وهو ما أدى لضعف القوة الشرائية وخاصة تدمير الكثير من المنشآت الاقتصادية.
وأكد نشوان أنه حذر مرات عديدة من أن قطاع غزة سيشهد مرحلة انهيار في الأشهر المقبلة إذا لم يتم حل المشاكل الجوهرية، داعيا على ضرورة أن تنظر القيادة الفلسطينية والفصائل بجدية إلى تطورات الأوضاع بغزة، وخاصة كون غزة ذاهبة إلى الهاوية.
من جهته، أوضح الخبير الاقتصادي ماهر الطباع، أن كافة المؤشرات تؤكد أن قطاع غزة دخل في مرحلة الانهيار الاقتصادي"، محذرًا من انفجار قريب في حال لم تُنهي "إسرائيل" حصارها المستمر للقطاع منذ 11 عامًا.
وذكر الطباع خلال تقرير لخلاصة الوضع الاقتصادي للقطاع عام 2017، أن غزة "أصبحت نموذجًا لأكبر سجن في العالم، بلا إعمار ومعابر وماء وكهرباء وعمل ودواء وتنمية وحياة"، داعيا المؤسسات الدولية الضغط الفعلي على الاحتلال الإسرائيلي لإنهاء حصاره الظالم على القطاع، وفتح كافة المعابر التجارية وإدخال احتياجات غزة من السلع والبضائع، وعلى رأسها مواد البناء دون قيود وشروط؛ لإنقاذ القطاع من حالة الموت السريري التي يعاني منها.
وأضاف: " يجب أن يعلم الجميع أن الخناق يضيق بقطاع غزة والانفجار قادم لا محال".
2017 ..العام الأسوأ
بدوره، أكد رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار في غزة، النائب جمال الخضري، أن 2017 هو الأسوأ اقتصادياً وإنسانياً على القطاع، حيث تجلّت فيها كل تداعيات الحصار الإسرائيلي على مدار عشر سنوات سابقة، والانقسام الفلسطيني الذي ألقى بظلاله على خلق أزمات ضده.
ولفت الخضري إلى أن أزمتي الرواتب والكهرباء انعكست سلبًا على العمال والشركات المختلفة في غزة، وأوجدت ربع مليون عامل في غزة معطلين عن العمل، كما سبقها تقليل المساعدات الواردة للقطاع ومنع دخول العديد منها والبضائع والتي حجّمت من الأيدي العاملة.
وقال: "إنه في حال استمرت هذه الظروف مع العام المقبل، ستكون غزة مقبلة على مأساة أخرى، المطلوب قبلها رفع الحصار الإسرائيلي وفتح المعابر وإنهاء العقوبات المفروضة على القطاع من قبل السلطة الفلسطينية، والتخلص من آثار الانقسام الفلسطيني، والبدء بالتفكير بآلية تحويل غزة لمكان عمل".

