غزة – سمر العرعير
جاء عيد الأضحى ببركته وبخيراته وحلّ في بلاد المسلمين ، وحطت رحاله عند أبواب الفقراء والمساكين الذين دخلت بيوتهم فرحة العيد والناس يتذكرونهم بلحوم الأضاحي المذبوحة تقربا إلى الله عز وجل في مشهد إيماني جميل.
ولبهجة العيد وأحزانه صور أخرى متعددة ، نقدمها لكم من خلال هذا التقرير:
بأي حال جئت يا عيد
منذ صباح أول أيام العيد ذرفت عيون أطفال فقدوا الأم والأب في الحرب على غزة..ومع تكبيرات العيد الأولى أعيد نزف جرح أكثر من 1400 عائلة استشهدوا في حرب الفرقان.
عشرات العائلات تحيي العيد بعيدا عن منازلها التي هدمتها أو قصفتها قوات الاحتلال الصهيوني و شردتهم منها , وتعيش العيد في أوضاع معيشية صعبة بعد أن فقدت كل ما تملك من البيوت والأبناء والأشجار.
في غرفة صغيرة ولكنها مختلفة عن الغرف التي نعرفها حيث الجدران مهدومة بالكامل ولا شبابيك ولا أبواب لها كما أن آثار حرق الفسفور يملأ المكان بالكامل وكأن المكان مهجور منذ زمن بعيد لا تصدق عيناك أن هذا المكان يأوي أسرة كاملة تتكون من 20 فرد قررت أن "تعيد" أيضا .. ليس مهما اسم العائلة لان مثلها العشرات.
عيد وبأي حال عدت يا عيد ...هذا اقل ما يمكن أن يوصف به حال الغزيين صباح عيد الأضحى المبارك ، فيما لا تزال الفرحة أسيرة الحصار الاقتصادي ..فرحة منقوصة هشة ممزوجة بالألم والمرارة، وهذه نتيجة حتمية لما خلفته الحرب الإسرائيلية ، حيث يعيش مليون ونصف المليون من أبناء شعبنا وسط سجن كبير أشبه بدائرة صغيرة مغلقة، حتى وإن جاء العيد فليس به أي جديد.
وتستمر معاناة المئات من الأسر في قطاع غزة جراء غياب معيليها من الآباء والأبناء وفي الوقت الذي تبتهج فيه النفوس في مواسم الأعياد يلف الحزن والأسى على غياب الأهل معظم بيوت القطاع حيث لا يخلو بيت واحد من شهيد أو أسير.
العيد في غزة على غير عادة العيد لدى كافة دول العالم ، فالعيد لدى الفلسطينيين لديه طقوسه ومستلزماته الخاصة به، ولكن الجرح في قلوب معظم الغزيين الذين فقدوا الغالي والنفيس عليهم في الحرب الأخيرة على القطاع ، وعاشوا يتنفسون الألم والجرح يومًا بعد يوم ، وتزيد همومهم وأحزانهم كلما مر عيد لا يأتي عليهم . ورغم ذلك غزة تضحي اليوم .. وستبقى تضحي .
زيارة الشهداء
والصورة لا زالت ترتسم حيث زار عشرات الفلسطينيين بينهم نساء وأطفال مقبرة "الشهداء" شرق جباليا لقراءة الفاتحة والدعاء على أرواح أبنائهم وبينهم الذين استشهدوا في الحرب وقد وضعوا أكاليل من الورود وزينوا محيط قبور أبنائهم.
وفي ساعة مبكرة من أول أيام العيد المبارك، جلس المواطن أبو كمال والبالغ من العمر 48 عاما، على كرسي بلاستيكي ابيض أمام خيمته الرثة ليستقبل عشرات المهنئين في العيد من الأقارب والجيران.
ويقول الرجل مبتسما بحزن "اشعر أن هذا اليوم غريب لا كأنه عيد".
ويضيف "لم تدخل الفرحة إلى قلبي وقلب أفراد أسرتي. فاليوم يتجدد الحزن وتتفتح الأوجاع التي نحاول ان ننساها منذ الحرب والعيد يذكرنا بالذي فقدناه من جديد".
ويتابع "لقد قتلوا (الجنود الإسرائيليون) ابني إبراهيم وهو لم يتجاوز التاسعة من العمر. كان في حضني دخلوا علينا في البيت وأطلقوا النار فقتلوه. أصبت أنا وأم إبراهيم وخرجنا من البيت ننزف ثم دمروه".
ويقول الرجل متسائلا "كان إبراهيم في العيد السابق يأتي قبل صلاة العيد يطلب العيدية (هدية مالية). اين هو الآن لأعطيه المال والحلوى؟"، مؤكدا أن "العيد يذكر بالمأساة".
وتنتصب خيمة أبو كمال على أنقاض بيته المدمر قرب مستوطنة دوغيت السابقة قرب بلدة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة. وفي واحدة من زوايا الخيمة وضع تلفزيون صغير يعلوه مصباح يشكل أداة الإنارة الوحيدة فيها.
أما أم كمال ، فتقول "لا فرق بين العيد أو الأيام العادية بالنسبة لنا ولأهالي الشهداء والذين دمرت بيوتهم".
وترفع يديها إلى السماء "حسبي الله ونعم الوكيل ؟ اين الأمة العربية والإسلامية الذين تركونا في القرن الواحد والعشرين نعيش في خيام بالية مثل الأموات بلا اهتمام".
ولم ير مشروع إعادة أعمار غزة الذي تعهدت به الدول المانحة، النور بسبب تعقيدات الوضع السياسي واستمرار تشديد الحصار والإغلاق الإسرائيلي للعام الثالث على قطاع غزة.
إلى ذلك دعا خطباء المساجد إلى زيارة ذوي "الشهداء" في العيد.
تعقيدات وصول الأضاحي
وكان الوكيل المساعد بوزارة الزراعة الدكتور إبراهيم القدرة، طالب بإدخال عدد أكبر من الأضاحي شاملة الأغنام التي لم تدخل قطاع غزة منذ ثلاثة أعوام.
وقال القدرة معقباً على سماح الاحتلال بإدخال سبعة آلاف عجل: "ذلك يتوقف على تنفيذ عملية إدخالها"، مؤكداً على أنه لم يدخل قطاع غزة إلى الآن سوى (330)عجل عبر معبر كرم أبو سالم.
وأكد أن قطاع غزة يحتاج من الأضاحي خلال عيد الأضحى سنوياً أكثر من (15ألف) رأس من العجول و(20ألف) رأس من الأغنام، عدا عن بقية العام يحتاج إلى (4000) رأس شهرياً.
وطالب القدرة الشقيقة مصر السماح باستيراد الأضاحي عن طريق معبر رفح البري، معتبراً أن ذلك يعفي المحاصرين في قطاع غزة من الابتزاز "الإسرائيلي" والإغلاق المتكرر للمعابر.
وفي السياق شدد القدرة، على أن الطواقم الفنية والبيطرية بوزارة الزراعة تراقب عن كثب ما يدخل قطاع غزة من الثروة الحيوانية سواء عبر المعابر أو الأنفاق، مؤكداً أنها لن تسمح بإدخال المصابة منها بالأوبئة والأمراض.
من جهتها وافقت السلطات المصرية على عبور ألف خروف ومائة وخمسين رأسا بقريا مذبوحا من أضاحي المصريين والعرب ليتم توزيعها على الفلسطينيين المحاصرين في غزة بمناسبة عيد الأضحى المبارك. صرح بذلك د. إبراهيم الزعفراني أمين عام لجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب .
وأشار الزعفراني إلى أن اللجنة أطلقت حملتها السنوية للأضاحي تحت شعار: "أضحيتك طاعة للرب.. طعام للعبد"، وتشمل كلا من مصر وفلسطين والصومال بهدف الوصول إلى ربع مليون فقير.
ففي مصر تعمل اللجنة في القاهرة والعريش وأسوان، لآلاف الأسر بواقع 2 كيلو جرام لكل أسرة.
أما في غزة، فتم تنفيذ الحملة في كل من رفح، وخان يونس، والوسطى، والشمالية، ومدينة غزة، والمستهدف تقديم لحوم الأضاحي لنحو 20 ألف أسرة فلسطينية بمعدل 1 إلى 3 كيلوجرامات اللحوم لكل أسرة حسب عدد أفرادها.
و قدرت اللجنة قيمة سهم الفرد في الأضحية الطازجة في مصر بـ1550 جنيها ، وفي فلسطين بـ1700 جنيه ، أما الأضاحي المعلبة لفلسطين فتصل قيمة السهم فيها إلى 600 جنيه ، يتم ذبحها في نيوزيلندة وشحنها إلى فلسطين، أما في الصومال فتصل قيمة السهم الواحد إلى 500 جنيه. كما اعتادت غزة أن تضحي فهي تضحي اليوم أيضا رغم الحصار والوجع.

