لم يكن الثامن عشر من أكتوبر / تشرين الأول 2011، يوماً عادياً على الشعب الفلسطيني من كافة أطيافه، وأسراه داخل سجون الاحتلال على وجه الخصوص، حيث سجل التاريخ نصراً حقيقياً للمقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني تمثل بإتمام "صفقة شاليط"، أو صفقة "وفاء الأحرار"، كما تحب أن يطلق عليها من قبل المقاومة والشعب الفلسطيني.
إنه العيد الوطني الكبير، حيث دقت ساعة الصفر وتم تنفيذ الصفقة في مثل هذا اليوم، والتي شملت الإفراج عن 1047 أسير وأسيرة، بينهم 477 أسيرًا من أصحاب المحكوميات العالية، مقابل الافراج عن الجندي جلعاد شاليط، إلى جانب الإفراج عن 19 أسيرة فيما عرف بصفقة "الشريط المصور".
صفقة لم تتم من دون تخطيط وإرادة حقيقية وصلبة زرعت في نفوس المقاومة ورجالاتها ومن خلفها قيادتها، التي لم تنسَ في يوم من الأيام الأسرى الأبطال خلف القضبان، لتحقق رؤية شيخ المقاومة الشيخ المؤسس أحمد ياسين الذي قال: "لازم أولادنا يطلعوا غصبن عنهم"، وتصبح أمراً واقعاً، كان بالأمس أشبه بمعجزة.
حماس وفي هذه الذكرى أكدت أن هذه الصفقة توجت جهودًا عظيمة للمقاومة الفلسطينية، وصمودًا وجلادة منقطعة النظير لأبناء شعبنا الفلسطيني، في حين وصمت الاحتلال بعار الهزيمة بعدما فشل في استعادة جنديه بالوسائل جميعها.
في الخامس والعشرين من يونيو / حزيران 2006 فجرت المقاومة الفلسطينية في غزة مفاجأة بإعلانها خطف الجندي "الإسرائيلي" جلعاد شاليط إثر عملية معقدة نفذتها في قاعدة الاحتلال العسكرية قرب منطقة كرم أبو سالم.
شكلت العملية أزمة لحكومة الاحتلال آنذاك وبارقة أمل لدى الكثيرين من الأسرى في سجون الاحتلال بالإفراج عنهم في عملية تبادل بين الطرفين، حيث استطاعت المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أن تحقق نجاحاُ كبيراً في إدارة المفاوضات والإفراج عن 1047 أسيرا فلسطينياً مقابل شاليط.
المتبع لتفاصيل عملية الأسر منذ بدايتها وكيف تمت، وبداية مرحلة المفاوضات، ومحاولات فتح قنوات للتواصل مع المقاومة منذ لحظة الأسر، مروراً بالمعارك العسكرية والسياسية على مدار خمس سنوات، يعرف كيف نجحت وحدة الظل التي تشرف عليها كتائب عز الدين القسام في إخفاء الجندي بحرفية أمنية عالية، على الرغم من محاولات الاحتلال للكشف عن مكانه.
وجدت "إسرائيل" نفسها بعد فشلها في الوصول إلى شاليط استخبارياً وعسكرياً؛ مجبرة على الاستعانة بوسطاء وأطراف عربية ودولية، والتي بدورها تواصلت مع قيادة المقاومة سعياً لإطلاق سراح الجندي شاليط، ومحاولة ممارسة الضغط على الفلسطينيين، والذي لم يجدِ أمام حكمة المقاومة وتمسكها بشروطها.
وبموازاة ذلك اتجه الاحتلال إلى الضغط الميداني من خلال شن أكثر من عدوان على قطاع غزة في محاولة لإعادة الجندي، حيث كانت ترفض إجراء مفاوضات مع المقاومة وتميل إلى الخيار العسكري قبل أن تُذعن في نهاية الأمر إلى المطالب الفلسطينية.
حاول الاحتلال استخدام عدة طرق استخبارية وتفاوضية للحصول على الجندي "شاليط"، ولكنه لجأ أخيراً في عام 2006 إلى عدوان للضغط على المقاومة.
أما من داخل السجون فقد لعب الأسرى في دوراً مهماً وفاعلاً في المفاوضات، وذلك من خلال استضافة عدد من الأسرى المحررين الذين شملتهم عملية التبادل.
ناشط "السلام الإٍسرائيلي" غارشون باسكن قال: "إن حماس نجحت في الحفاظ على السرية، ولم تسمح لإسرائيل بتنفيذ عملية تحرير أسرى كما فعلت في عنتيبي بأوغندا، رغم أن غزة في الفناء الخلفي لإسرائيل".
وبينما يحيي الشعب الفلسطيني ومقاومته هذه الذكرى التاريخية؛ مازال الأسرى يعيشون أوضاعاً خطيرة، خاصة التي وصل لها الأسرى المضربون عن الطعام داخل سجون الاحتلال، والهجمة الشرسة التي تنتهجها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى، وإصرارها على المماطلة في تنفيذ مطالبهم بإنهاء اعتقالهم الإداري.
وأمام كل هذه التحديات، ومن داخل النفق المظلم تخرج علينا المقاومة الفلسطينية لتجدد نور الأمل، الأمل الذي استطاعت أن تزرعه في نفوس كل الأسرى ومن خلفه الشعب الفلسطيني الذي ناضل وضحى وصبر على جبروت المحتل.
أسرانا .. اقترب موعد تحريركم "رسالة وجهتها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، في ذكرى صفقة وفاء الأحرار، لتزرع الأمل من جديد لدى الأسرى داخل السجون بصفقة أحرار جديدة، وأن المقاومة لن تخذلهم وتبقى قضيتهم على رأس أولياتها كثابت من الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها مهما بلغت التضحيات".
بعد مرور عشر سنوات على صفقة وفاء الأحرار، لا تزال المقاومة الفلسطينية تُحكِم قبضتها منذ عدة سنوات على عدد من الأسرى من جنود الاحتلال، وتبذل كل ما تستطيع من أجل التوصل إلى صفقة تبادل جديدة لإطلاق سراح الأسرى من سجون الاحتلال.

