جدران ملونة أعلنت عن نفسها في زحمة استعداد الفلسطينيين لاستقبال شهر رمضان المبارك، فهنا داخل أروقة المدينة القديمة بقطاع غزة، وفي إحدى أقدم حاراتها، تلفت الجدران المصبوغة بالألوان انتباه الزائر الألوان الزاهية التي تبعث الحيوية والابتهاج بقدوم ضيف كريم، فكل جدار حمل على واجهته لوحة فنية خطّها رسّام بريشته الغارقة بالألوان.
فعلى واجهة حائط يُمثل مدخل الحي علّق الرسام فانوساً كبيراً من الخطوط المرسومة لأطفال الحي الملوّن، وعلى آخر علق أحبالاً طويلة تدلت منها أعلام فلسطين، وأنهى على الجدار الثالث رسم خطوط شمس دائرية متوهجة لا تنطفئ مع حلول المساء، وكذا فعل مع بقية الجدران التي كانت بلا لون.
ويكتمل ابتهاج الحي ليلاً بأحبال الزينة المعلقة بين الأعمدة الكهربائية والبنايات المتلاصقة ونوافذ البيوت المطلة على الطريق، وهي واحدة من طقوس الابتهاج بقدوم الشهر الفضيل والتي بدأت بمبادرات خاصة واستمرت بدعم من بلدية غزة وبتعاون ملحوظ بين سكان الحي وأبنائه الذين فضلوا خروج بيوتهم عن المألوف في الألوان المعتادة والخروج من نمط الازدحام وتكدس البيوت دون تمييز بعضها البعض.
50 بيتاً
هذه المرة تحولت المهنة إلى مهمة فنية استفادت منها البيوت التي تعيش داخل ذات الحي القديم، فكان ابن المهنة محمد الصعيدي قد بدأ برسم وطلاء جدران بيته من الداخل والخارج حتى امتدت ريشته إلى نحو خمسون بيتاً مجاوراً من أبناء الجيران.
وبدأ المواطن الخمسيني محمد أحمد الصعيدي من سكان "تل الزيتون" في مدينة غزة، بتحويل جدران منزله والمنازل المجاورة إلى لوحة تضم ألوانًا تبعث الفرح، ما أصبح يعرف حاليا في غزة بـ "الحارة الملونة".
ويقول الصعيدي الذي يعمل في مجال الدهان منذ أكثر من عشرين عاماً: "بدأت في تلوين جدران بيتي من الخارج، ثم توسعت فكرتي لتشمل 50 بيتاً بعد مبادرة شخصية مع مواطنين آخرين مشاركين بالمواد والتخطيط والتنفيذ، وبالاستعانة بمؤسسات محلية".
وترك الفنان الصعيدي على الجدران ما يذكر بهوية الحارة الفلسطينية، فلم ينسى قبة الصخرة من ألوانه وعلم فلسطين وإفراد جدران كاملة بخريطة فلسطين الممتدة على الساحل شمالاً وجنوباً.
ولم تكتفِ الحارة الملونة برسم الجدران وطلائها بعيداً عن الرمادية، بل تكفل كل بيت داخل الحارة بزرع أشتال الزهور والورد المناسب لاستمراره في أجواء الطقس المختلفة، فحط فصل الربيع رحاله داخل أروقة الحي مبكراً.
وجذب جمال الحي أنظار المارين وعدسات المصورين ولفيف من الزائرين بلا انتهاء، حتى صار الحي مقياساً للترتيب والنظافة والجمال.
"غزة بالألوان والورد أجمل، والشعار الأول هو نحو بيئة نظيفة جميلة راقية، أتمنى من كل بيت في قطاع غزة يبدأ يهت في باب بيته وتصبح حارتنا نموذج للتطبيق والتعميم، فنحن نحب الحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً"، يقول الفنان الصعيدي.
صيانة كاملة
وبداخل هذا الحي الذي يقع شرق مدينة غزة، شرعت بلدية غزة بأعمال صيانة وتبليط في الحارة الملونة بالبلدة القديمة، ضمن جهودها في تعزيز سياسة المشاركة المجتمعية من خلال المبادرات التي ينفذها المواطنون للحفاظ على المدينة وتجميلها وتحسين مظهرها والارتقاء بالمظهر الجمالي الخارجي.
وشملت الأعمال صيانة الطرقات والأزقة داخل الحارة الملونة باستخدام نحو 360 متراً مربعاً من بلاط الإنترلوك، إضافة إلى تركيب (7) فوانيس للإنارة و(5) خلايا ضوئية مع إجراء صيانة شاملة للكوابل الكهربائية وتثبيتها، وإجراء صيانة عامة لشبكات الصرف الصحي وتركيب أغطية للمناهل الموجودة، وتركيب منهل جديد، وتزويد الحارة بحاويات قمامة بلاستكية وزراعة الأشجار في خطوة تدعم الحياة الزراعية.
كذلك شرعت البلدية بأعمال طلاء للجدران وإضافة رسومات جميلة ومبهجة لتحسين المظهر العام داخل الحارة بما يتناسب مع الطابع الأثري للحارة القديمة.
وتسعى البلدية إلى تعزيز وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على البلدة القديمة والأماكن الأثرية بداخلها من خلال دعم وتنشيط المبادرات المجتمعية وتوفير المستلزمات والأدوات من خلال شراكتها مع مؤسسات المجتمع المدني، بهدف إنجاح هذه المبادرات وتوسيعها لتشمل مناطق أخرى في مدينة غزة.

