يداوم عبد الكريم الهادي "ستة عشر عاما" على الجلوس بجانب جهاز غسيل الكلى لمدة تزيد عن الخمس ساعات، يوماً بعد يوم، ويبدو أن الأمل قد كان قريباً منه إلى الحد الذي كان أول احتمالات دخوله إلى غرفة العمليات الجراحية لزراعة كلى بعد تبرع شقيقه بكلى.
"وفرت زراعة الكلى لابننا عمراً كاملاً سيذهب مهدوراً في طريق المشافي للمداومة على غسيل الكلى، ما أبهج قلوبنا بهذه العملية الناجحة بأيدي أطبائنا، خاصة وأنه في مقتبل عمره"، يقول والد المريض عبد الكريم.
وعلق والد المريض على أن مثل هذه العمليات يمثل استمرارها شريان حياة لآلاف المرضى بقطاع غزة، والذي يوفر عليهم عناء السفر ومشكلاته وعقباته وعناء انتظارهم لتحويلهم للعلاج بالخارج، معلقاً بأن هذه العمليات هي نقلة نوعية في عالم الطب البشري بغزة.
"المبالغ الباهظة أكبر من مقدرتنا على توفيرها ومعالجة مريضنا، وإنجازها في مشافينا المحلية ما هو إلى قطع لمسافة كبيرة وتوفر علينا الكثير من الشقاء المالي والنفسي"، يتابع والده.
ويزيد عدد مرضى المصابين بالفشل الكلوي في قطاع غزة نحو أكثر من 2200 حالة، بحسب إحصائيات أصدرتها وزارة الصحة الفلسطينية بقطاع غزة، بين هذه الحالات 30 طفلاً، جميعهم يتناوبون على جلسات غسيل الكلى في سبعة مراكز طبية تحتوي على 197 جهاز غسيل كلوي صناعياً، كما يحتاجون إلى عقاقير علاجية بشكل مستمر، لكن المؤسسة الحكومية غير قادرة على توفير احتياجاتهم العلاجية على الدوام.
ويعتبر مريض الفشل الكلوي واحداً من أحد المقيمين داخل تلك المراكز الطبية لمدة تتجاوز الخمس ساعات من عمر تلك العملية بحدود ثلاث أيام أسبوعياً، ما يرهق أجساد المرضى المداومين أمام تلك الأجهزة التي تقوم بعمل يوازي الكلى الطبيعية إلى حد ما.
والأمر بالنسبة إلى مرضى الكلى ليس مقتصراً على ذلك وحسب، إذ يعانون أيضاً من الأعطال المستمرة التي تصيب الأجهزة الطبية المخصصة لغسيل الدم، ويقول مدير دائرة التصوير الطبي في وزارة الصحة إبراهيم عباس إن المهندسين التقنيين ينهمكون في إصلاح عدد من الأجهزة الطبية بعضها خاص بقسم الكلية الصناعية، وهذه الأجهزة تتعطل باستمرار، وجزء منها خرج من الخدمة لعدم توافر قطع الغيار اللازمة لإصلاحها بسبب القيود الإسرائيلية على المعابر.
الفريق الأول المؤسس
وزارة الصحة الفلسطينية تعالت على تلك العقبات بتجاوز أمهر أطبائها لخوض تجارب لعمليات جراحية جديدة، في واحدة من أولى الإنجازات النوعية في تاريخ مرضى الكلى، وصولاً إلى التخفيف من معاناة المرضى بأيدي الكوادر الطبية الجراحية.
رئيس قسم الكلى بمجمع الشفاء الطبي الدكتور عبدالله القيشاوي، يقول لـ"لرأي": البدء بعمليات زراعة الكلى لأربع مرضى مصابين بالفشل الكلوي يأتي ضمن البرامج التدريبية لوزارة الصحة التي ترمي إلى تنفيذ عدد من العمليات الجراحية الناجحة".
وكانت العملية الأولى قد افتتحت بواحد من الأشبال الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، بعدما تبرع له شقيقه، موضحاً القيشاوي بأن رئيس الفريق الطبي الأول الطبيب "عبد القادر حماد" قد وصل قطاع غزة قبل 24 ساعة قادماً من بريطانيا بهدف إتمام العمليات الجراحية.
وأكد القيشاوي على أن وزارة الصحة بدأت برنامجها التدريبي والتعليمي الذي يهدف لإنجاح عملية زراعة الكلى بتدريب الأطباء وكوادرها الطبية، والتي ستؤثر على حياة المئات من المرضى الذين من الممكن أن يستفيدوا من هذه البرامج الزراعية الناجحة إلى حد كبير للأعمار الصغيرة، متأملاً أن يكون هناك توطين كامل لعمليات الزراعة في قطاع غزة من قبل الأطباء المحليين بمجمع الشفاء الطبي.
يشار إلى أن وزارة الصحة بغزة، أكدت أن عملية زراعة الكلى في القطاع حققت تقدمًا ملموسًا مؤخرًا، مشيرة إلى أن عملية تدريب فريق طبي متخصص في هذا المجال شارفت على الانتهاء.
وبدأت عمليات زراعة الكلى في قطاع غزة منذ عام 2013، من أجل محاولة إنقاذ مئات المرضى في ظل معاناة القطاع الصحي في غزة من نقص كبير في المعدات والأدوات جراء الحصار.
وتشكو وزارة الصحة في غزة من شح الأدوية والأدوات والمستلزمات الطبية في ظل حصار إسرائيلي مفروض على القطاع منذ عام 2006.

