في كل مرةٍ تتوجه فيها لمستشفى الصداقة التركي في غزة، والتجول بين غرف المرضى ينتاب المراجعين شعور الفقد والخوف من أن يفقد فعلاً أحد من المرضى حياته دون سابق إنذار، خاصة وأن هذا السرطان قد تغول في أجساد بعضهم جراء نقص الدواء وعدم توفره بانتظام.
ترى أجساد منهكة لا تقوى على الحديث، وقد تملّك منها السرطان الخبيث وأضعف بعض من حواسهم، وهذا ما حصل مع المريضة "فايقة" والمصابة بسرطان في القولون والتي تمكنت بصعوبة أن تلوح بيدها لنا كنوعٍ من الترحاب وابتسامة عريضة تشفق بها على حالها، وسرعان ما اختفت تلك الابتسامة لتغمض عينيها وتغرق في النوم من شدة المعاناة وألم المرض ومضاعفاته.
في هذا المشهد المأساوي حقاً اكتفت إحدى قريباتها ببعض الحديث معنا لتعبر عن حالة الاستياء جراء نقص الدواء الذي حال دون شفائها ووصولها إلى هذه الحالة التي رأيناها عليها، وتناجي الله أن يخلصها من تلك العذابات اليومية التي جعلتها طريحة الفراش لا تقوى على الحركة.
وفى غرفة أخرى، ترى جسداً نحيلاً ملقى على السرير حيث جهاز التنفس الصناعي الذي يغطى تجاعيد وجه المسنة" الأخرس" وتسارع أنفاسها صعودا وهبوطا كأنها تسابق الزمن لتلتقط بعض من أنفاسها التي تحاول التشبث بها لتمد في أيام عمرها التي لا زالت تحلم أن تعيشها.
توجهنا لمرافقة المريضة "الأخرس" وهي تجهش بكاءً جراء معرفتها للتو نتيجة الفحوصات حيث انتشر الورم السرطاني على الدماغ جراء عدم انتظام تلقيها لجرعات الأدوية بانتظام ونقص بعضها، لتطلب منا مرافقتها أن ندعو لها بالرحمة مع استمرار عذاباتها لقرابة العشرين عاماً جراء إصابتها بورم آخر في الثدي أدى إلى استئصاله.
ولم يكن حال المسنة "حمدية" بأفضل من سابقتها التي هي أيضاً مصابة بسرطان في الدماغ، وذلك بعد إصابتها قبل ذلك بسرطان في الكلية وأدى الى استئصالها، ومع تلك المعاناة المركبة تحاول التقاط أنفاسها مع كل لقيمة طعام تحاول إحدى قريباتها اطعامها كالطفل الصغير، حيث عدم قدرتها على الحركة مع اشتداد ذروة المرض ومضاعفاته التي تزداد يوما بعد يوم، وحال لسانها يلهج بالدعاء الى الله أن يشفيها من تلك العذابات أملاً بالحياة.
وتوضح وزارة الصحة في غزة، أن مرضى السرطان في يعانون من واقعٍ صعبٍ ومؤلم بسبب نقص الدواء والمستلزمات الطبية اللازمة لعلاجهم، حيث يعتبر السرطان من الأمراض المزمنة التي تتطلب علاجاً مستمراً ومكلفاً، ولكن بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات طويلة.
وتشير الوزارة، إلى أن المرضى يواجهون صعوبة كبيرة في الحصول على العلاج اللازم، وكذلك صعوبة التحويل الى الخارج كما أن تأخير سفرهم ينقص من عداد حياتهم، فيما يعد عدم توفر العلاج الإشعاعي في قطاع غزة الكارثة الكبرى بالنسبة لهم.
وتؤكد أن معاناة مرضى السرطان في قطاع غزة تستدعي الاهتمام والدعم والتضامن من المجتمع الدولي، والحكومات والمنظمات الإنسانية، للمساعدة في تحسين الوضع الصحي والاجتماعي لمرضى السرطان الذين يواجهون هذا التحدي الكبير والمؤلم كأنهم يصارعون الموت.

