ثُنائيّات تملأ المساجد على اتساعها، ضجيجها يتخطى الجدران مع بدء دويّ الساردين بآيات القرآن، في مشهد تتمثل فيه المنافسة والمبارزة الجماعية على أصولها، يتسابق الساردون بالآيات والصفحات والأجزاء حتى نوال الختمات المشهودة بسجدة شكر أخيرة.
لم يقتصر تسميع القرآن على جلسة واحدة على عمر معيّن ولا على فئة دون أخرى، بل ضمت هذه الظاهرة القرآنية العالمية الطفل والعجوز والشاب والفتاة الصغيرة والأم المرضعة والعروس التي يفصلها عن حفل زفافها أيام، وليس ذلك فحسب.
خمس وثلاثون سارداً من رجال الأمن في الشرطة الفلسطينية انضموا لكوكبة الساردين، حتى المعلمون كان منهم مئة وستون معلماً ومعلمة، وتسعون طبيباً وطبيبة، وخمسون مهندس ومهندسة، وعشرات من موظفي الأوقاف والشؤون الدينية، كانوا وجهاً مشرقاً بين الساردين المتمكنين.
حلم ما بعد السرد
"الرأي" حضرت الحدث القرآني النوعي الذي يعقد للمرة الثانية على التوالي في مساجد قطاع غزة بأضعاف العام الماضي ثلاث مرات، حيث بلغ عدد السارين العام الماضي 581 حافظ وحافظة، وتم قبول 1471 هذا العام من بين 3000 متقدم.
المعلمة آلاء محسن كُلاب "30 عاما" تعمل في السلك التعليمي في المراحل الأساسية، لم يمنعها عملها من تثبيت القرآن والمداومة على مراجعته خلال يومها المكتظ بالمهام والأعباء والمسؤوليات بين بيتها وأطفالها ومدرستها وقرآنها.
تقول المعلمة كلاب لـ"الرأي": "إن أعظم انتصار وصلت إليه حتى يومها هو أن تجلس بين كوكبة الحافظين والساردين وتنجز القرآن على جلسة واحدة غيباً، بينما تتفانى باجتهادها تجاه طفليها الصغيرين لتلتقينهم آي القرآن منذ الصغر".
المعلمة لمادة العلوم "كلاب" يكتسي بيتها بصوت القرآن وباعتيادها ترتيله مع نفسها وأطفالها وزوجها الحافظ لكتاب الله، كما تعمل جاهدة على إسماع جنينها بداخل أحشائها الآيات، أملاً في حصاد مستقبله حافظاً، بينما هي لا زالت تحلم بأن تحصد سنداً متصلا عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم غيباً.
ضابط أمن
وما بين مهنة تحتاج متابعة على مدار الساعة وما بين كتاب الله الذي لا تتراكم على غلافه ذرّات الغبار، يفني الضابط مهند الشوبكي 29 عاما حياته، وهو الذي يشغل مهنة ضابط برتبة نقيب في الأدلة الجنائية التابعة لجهاز الشرطة الفلسطينية.
لم يتجاوز الضابط السارد "الشوبكي" العقبات بسهولة مطلقة، لكنه تجاوز بالتمسك والإصرار بعد أن أكمل حفظ القرآن منذ أن كان طفلاً صغيراً في عمر الأحد عشر عاماً، فضلا عن أنه يلتحق بالصفوة الثانية بعدما سرد القرآن على جلسة واحدة العام الماضي.
حوافز عدة أحاطت بالحافظ ورجل الأمن "الشوبكي، أبرزها دور والدته وزوجته في دفعه وإمداده بالعون كلما حاول أن ينطفئ، إذ كان يحرص على حمل نسخة من القرآن في حقيبته، ويستغل أوقات الفراغ لقراءته ومراجعة ما حفظه، وقد ساهمت زوجته أيضًا في توفير الأجواء المناسبة له على الدوام كما يصف.
طبيبة متخصصة
كل الأوقات كانت ممتلئة بالقرآن والعمل معاً، فلم تنقطع الطبيبة أسماء الطيّب "30 عاما" عن سماع آيات القرآن عبر سماع الهاتف الذكي يوماً بيوم، فهي على باستمرار كانت تداوم وترسم في دماغها هدفاً للوصول حد القمة.
ولم يثنها العمل داخل أقسام الطوارئ في إحدى المشافي الخاصة عن هدفها، بل سعت جاهدة لإتمام حلمها بالسعي والمثابرة كما فعلت نظير تخصصها الذي تفوقت في مساقاتها الجامعية آنذاك.
واصطفت الطبيبة أسماء بين جموع الحافظات تسرد الجزء تلو الآخر وهيا في حالة من الخشوع والتنافس وترقب الوصول حتى النهاية، وفعلاً حصلت على مرداها خلال ثماني ساعات من السرد المتواصل حتى بُح صوتها واختفى.
نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي أشادوا بالمشاركين في المشروع الفريد من نوعه الذي شهده قطاع غزة يوم الثلاثاء الموافق الخامس عشر من شهر أغسطس، حيث سرد 1471 حافظًا آيات القرآن الكريم على جلسة واحدة ضمن مشروع "صفوة الحفاظ 2".
ويهدف مشروع "صفوة الحفاظ" لإعلاء قيمة وقدر أهل القرآن بالمجتمع الفلسطيني، وأن يصبح سرد القرآن ثقافة مجتمعية، ونشر القرآن بين ربوع المسلمين وتثبته في صدور الحفاظ"، حسبما يؤكد القائمون على المشروع.
وشمل المشروع على 26 حافظًا لكتاب الله من ذوي الاحتياجات الخاصة، و90 حافظًا ما بين حكيم وطبيب وصيدلي، و51 مهندسًا ومهندسة، و163 معلمًا ومعلمة، و34 رجل أمن، وعدداً كبيراً من الأطفال وكبار السن والأمهات والكثير من النماذج المُلهمة.

