تشهد مستوطنات غلاف غزة موجة غير مسبوقة من انتشار الفئران والجرذان، تحولت خلال الأشهر الأخيرة من مشكلة محدودة إلى ظاهرة تقتحم منازل المستوطنين والحقول والمواقع العسكرية، فيما تربط تقديرات "إسرائيلية" بين تفاقمها وبين حجم الدمار والركام المتراكم في قطاع غزة بفعل الحرب، في وقت تكشف فيه تقارير الأمم المتحدة أن سكان القطاع أنفسهم يواجهون انتشارًا واسعًا للقوارض والآفات، وسط قيود إسرائيلية على إدخال المواد اللازمة لمكافحتها.
وأفادت صحيفة "هآرتس" العبرية بأن موجة القوارض في مستوطنات الغلاف بلغت مستويات استثنائية، مشيرة إلى أن الظاهرة بدأت خلال الأشهر الأخيرة في المواقع العسكرية الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، قبل أن تمتد إلى المستوطنات والحقول الزراعية.
وتتحدث شهادات المستوطنين عن أعداد كبيرة من الفئران والجرذان داخل المنازل، إذ قال أحد سكان مستوطنة نير يتسحاك إن بعض السكان أخرجوا من منازلهم نحو 100 فأر خلال يومين، فيما وصف سكان آخرون الوضع بأنه وصل إلى مئات وربما آلاف القوارض في مختلف المستوطنات.
وفي مستوطنة ناحل عوز، قال أحد السكان إنهم يصطادون في بعض الفترات نحو 10 فئران يوميًا، بينما تحدث سكان نير يتسحاك عن حالات أخرجت فيها عشرات القوارض من منزل واحد، ووصل العدد في بعض الحالات إلى 50 أو 100 فأر.
ولا تقتصر الظاهرة على إتلاف المواد الغذائية، إذ تحدث المستوطنون عن قضم القوارض لكابلات الكهرباء ودخولها إلى الجدران وإتلاف مواد العزل، فيما وصلت إلى غرف النوم والأسرة، وسط شكاوى من تعرض سكان، بينهم أطفال، لعضات الجرذان.
وبحسب التقارير العبرية، فقد تعرض ما لا يقل عن عشرة مستوطنين لعضات جرذان خلال الأسابيع الأخيرة، فيما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية في أغسطس/آب الماضي حادثة تعرض طفل يبلغ عامين لعضة جرذ أثناء نومه.
وامتدت أزمة القوارض إلى القطاع الزراعي في مستوطنات غلاف غزة، حيث تحدثت التقارير عن أضرار كبيرة لحقت بالمحاصيل، ووصلت الخسائر في بعض حقول الفول السوداني إلى نحو 70% من المحصول.
وقالت حكومة الاحتلال إنها اضطرت إلى توسيع عمليات مكافحة القوارض بالتعاون مع وزارات الزراعة وحماية البيئة والصحة والجيش والسلطات المحلية، فيما تحدث مستوطنون عن زيادة كبيرة في استخدام المصائد ووسائل المكافحة مقارنة بالسنوات السابقة.
وبحسب شهادات نقلتها وسائل الإعلام العبرية، ارتفع عدد صناديق الطُعم المستخدمة لمكافحة القوارض في المنطقة من عشرات الصناديق في السنوات السابقة إلى نحو ألف صندوق هذا العام، من دون أن يشعر السكان بانحسار واضح للظاهرة.
وتشير التقارير العبرية إلى أن الدمار الهائل والركام المتراكم في قطاع غزة بفعل الحرب قد يكونان أحد العوامل التي ساعدت على توفير بيئة ملائمة لتكاثر القوارض وانتقالها إلى المناطق المحيطة بالقطاع.
ويرى خبراء "إسرائيليون" أن الركام يوفر للقوارض أماكن واسعة للاختباء، بينما يؤدي توافر مصادر الغذاء إلى زيادة قدرتها على التكاثر والانتشار، في حين لا تشكل المسافات القصيرة بين القطاع والمستوطنات عائقًا أمام انتقالها.
الوجه الآخر للمشكلة لكن هذه الرواية تتجاهل الوجه الآخر للمشكلة؛ إذ إن انتشار القوارض لم يبدأ من الجانب الفلسطيني وحده، بل بات القطاع نفسه يعيش أزمة بيئية وصحية واسعة، نشأت في ظل الحرب والدمار والنزوح وتراكم النفايات وانهيار خدمات الصرف الصحي، إلى جانب القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المواد اللازمة لمكافحة الآفات والقوارض.
فقد أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن المخاطر الصحية الناجمة عن القوارض والآفات في غزة ما زالت مرتفعة بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى مكبات النفايات وعلى استيراد المواد الضرورية، مشيرًا إلى أن استمرار برامج المكافحة يتطلب إدخال مبيدات الآفات بصورة منتظمة. وبحسب الأمم المتحدة، لم تعد القوارض مشكلة محدودة في قطاع غزة، إذ رصدت المنظمات العاملة في القطاع انتشار الفئران والجرذان والصراصير والذباب وغيرها من الآفات في مناطق النزوح والسكن، وربطت ذلك بتراكم النفايات والاكتظاظ وتدهور خدمات الصرف الصحي والنظافة.
وفي الوقت الذي تربط فيه الرواية الإسرائيلية انتشار القوارض في الغلاف بالدمار الموجود في غزة، توثق الأمم المتحدة جانبًا آخر من الأزمة، يتعلق بصعوبة إدخال مواد مكافحة الآفات إلى القطاع.
وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أبريل/نيسان أن كثيرًا من إجراءات مكافحة الآفات تعتمد على مواد غير متوفرة في غزة ويصعب إدخالها، وأن التدخلات التي تعتمد على المبيدات تحتاج إلى إجراءات مطولة تشمل الشراء والموافقات والشحن والإدخال والتطبيق الآمن.
وأكدت الأمم المتحدة وجود حاجة إلى موافقات إضافية لإدخال المواد الكيميائية المستخدمة في مكافحة الآفات، إلى جانب مستلزمات النظافة الصحية والمواد والمعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وإدارة النفايات.
وفي مايو/أيار، بدأت الأمم المتحدة وشركاؤها خطة لمكافحة انتشار القوارض والآفات في أكثر من 1700 موقع داخل القطاع، ودخلت إلى غزة خلال ذلك الشهر 3 أطنان من مبيدات القوارض و3 آلاف لتر من المبيدات، لكن الأمم المتحدة شددت على أن الاستجابة الكاملة تتطلب تسهيل إدخال المزيد من المواد، إضافة إلى تمكين الجهات العاملة من الوصول إلى مكبات النفايات.
وبحلول يونيو/حزيران، كانت عمليات مكافحة الآفات قد بدأت في 1180 موقعًا ذا أولوية، بينها محيط المستشفيات ومخازن الأغذية وقنوات الصرف الصحي ومراكز الإيواء ومكبات النفايات المؤقتة، مع التأكيد على أن استمرار الخطة يحتاج إلى دخول مبيدات بصورة منتظمة.
إسرائيل وجه الأزمة وتكشف هذه المعطيات أن الحديث عن "قوارض غزة" التي وصلت إلى مستوطنات الغلاف، كما تقدمه بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، لا يمكن فصله عن الظروف التي صنعتها الحرب والحصار داخل القطاع.
فإسرائيل التي تتحدث اليوم عن انتقال القوارض من غزة، هي ذاتها التي تفرض القيود على دخول المواد والمستلزمات التي تحتاجها المؤسسات الإنسانية لمكافحة القوارض والآفات، فيما يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين في بيئة مدمرة، وسط الركام وتراكم النفايات وشح المياه وانهيار شبكات الصرف الصحي.
وفي يوليو/تموز، أعلنت الأمم المتحدة أن برنامج مكافحة الآفات وصل إلى نحو 80% من 3500 بؤرة جرى تحديدها في مختلف أنحاء القطاع، بعد تنفيذ حملات توعية ورش ومكافحة للقوارض، فيما أدخلت شحنة جديدة من مواد مكافحة الآفات لتمكين الفرق من مواصلة عملها.
وتشير الصورة الأوسع إلى أن الدمار الإسرائيلي لم يخلّف أزمة سكن وغذاء وصحة فقط، بل أحدث تحولًا بيئيًا خطيرًا داخل غزة، مع تراكم ملايين الأطنان من الركام والنفايات وتضرر شبكات المياه والصرف الصحي، وهي ظروف مثالية لتكاثر القوارض والحشرات وانتشار الأمراض.
وتبدو قصة القوارض في غلاف غزة وجهًا جديدًا من وجوه آثار الحرب، لا قصة منفصلة عن غزة؛ فبينما يبحث المستوطنون عن حلول لمواجهة الجرذان والفئران، يكافح الفلسطينيون داخل القطاع نفسه هذه الآفة في ظروف أشد قسوة، من دون بنية تحتية سليمة، وفي ظل القيود "الإسرائيلية" على إدخال المبيدات والمستلزمات الضرورية لمكافحتها.

