هآرتس - بقلم: جدعون ليفي
(المضمون: حصار اسرائيل لغزة جريمة بحق نفسها ولا يأتيها بأي شيء).
من الصعب جدا الحصول على القهوة في غزة في الاسابيع الاخيرة. هناك بنزين رخيص (2.40 شيكل لليتر الواحد) وسولار ارخص (1.70 شيكل) تتدفق من مصر عبر الانفاق. اما القهوة فغير موجودة. ربما يجد الراغب كيس قهوة بعد البحث في عدة حوانيت ولكن البقال سيبيعكم (250) غراما فقط بثمانية عشر شيكلا - وهذا ثمن باهظ في غزة. القهوة كما تعلمون ليست بضاعة "انسانية" ومن الممكن العيش من دونها وعليه فقد انتقلت غزة للشاي. التدليل والتدليل والمزيد من التدليل - هذا هو هدف السياسة الاسرائيلية المتبعة في غزة.
كل عدة اسابيع يظهر نقص في بضاعة معينة. الان توجد مياه الا ان الكهرباء تنقطع بين الفينة والاخرى. يصلحون محطات الطاقة ولكن ليست هناك قطع غيار. جربوا العيش في حر غزة وشحها من دون كهرباء. بالامس مثلا انقطعت الكهرباء عن بيت لاهيا لعدة ساعات كل الاغذية فسدت. ازالة انقاض ما دمرته عملية الرصاص المصهور بدأت ولكن البناء ما زال متوقفا لعدم توفر الاسمنت والحصى.
الملياري دولار - 900 منها من ادارة اوباما الجديدة - التي وعدت بها غزة في شرم الشيخ ما زالت عالق في سراديب البنوك الدولية. هم وعدوا. دبلوماسي امريكي بارز قال بان بلاده لا ترسل المال "بسبب معارضة اسرائيل" وهناك قانون امريكي يحظر المتاجرة مع حماس. الرجل تحدث بجدية كبيرة وكأنه لا يوجد التزام امريكي بارسال المال وان امريكا الكبرى تعتمد على احسان اسرائيل وحسن نواياها. الا ان معاناة غزة موضوعة على كاهل اوباما - ومن دون اعادة اعمارها سيكون وعده خاويا فارغا من المضمون.
عامان مرا على تشكيل حكومة حماس والحصار على غزة يتواصل بكامل قسوته ووحشيته. واشنطن مشغولة بمصير ميغرون واسرائيل مشغولة بدودو توباز والعالم بدوره فقد الاهتمام. ليست هناك عمليات وليس هناك عرب: عندما لا تقوم غزة باطلاق النار يتركونها لتلاقي مصيرها لوحدها. هذه الرسالة التي ترسلها اسرائيل لجيرانها المسجونين في غزة: اطلقوا الصواريخ حتى نهتم بكم ونكترث لحالكم اما ان لم تطلقوا - فلن نهتم. جلعاد شليت وحده هو الذي يذكر بوجود غزة: الناشطون من اجل اطلاق سراحه تظاهروا في الاسبوع الماضي مرة اخرى. ولكن بدلا من التظاهر من اجل اطلاق سراح مساجين فلسطينيين تظاهروا من اجل تشديد الحصار والعقوبات الجماعية اكثر فأكثر. جلعاد وحده الذي ولد حرا طليقا.
التجربة الجماعية على بني البشر منيت بالفشل الذريع وعامان هما مدة كافية لاستنتاج ذلك. لم يتم تحقيق أي هدف من اهداف الحصار اما الضرر فآخذ في التزايد وربما للابد.
المزاج غير نادر بين الحماقة والشرور وصل الى مستوى ارتكاب افدح الاخطاء التي ارتكبتها اسرائيل. حتى ان تركنا الجانب الاخلاقي للحصار جانبا - فليس من الممكن تجاهل حماقة السياسي.
شليت لم يتحرر - ولن يؤدي الحصار الى اطلاق سراحه. حماس لم تسقط وحكمها تكرس وترسخ وفوق كل شيء يتبلور امام ناظرينا واقع جديد سيء بالنسبة لاسرائيل بالمقارنة مع الماضي. الحصار قسم الشعب الفلسطيني اكثر من السابق. هذا ليس اول انقسام تفرضه اسرائيل عليهم: منذ عام 1948 تقوم بفصل الفلسطينيين عن بعضهم بصورة منهجية: فرق تسد. المهاجرون في العالم واللاجئون في الدول العربية، سكان المناطق، عرب شرقي القدس، عرب اسرائيل. احيانا ابناء العائلة الواحدة يصبحون شعوبا منفصلة. الان جاء دور التقطيع التالي واكثر حماقة: فصل غزة عن الضفة. اسرائيل تمنع أي اتصال مع الضفة وتشتكي من عدم وجود شريك فلسطيني ونحن بدورنا نقوي حكم حماس بفضل معاناة الحصار وافاعيل "الرصاص المصهور" وها نحن نشتكي من وجود "حماستان في غزة" وماذا سيتحدث لو رفعت اسرائيل الحصار وسمحت باعادة الاعمال وقربت الضفة من غزة؟ كارثة كبيرة: احتمالية حدوث اعتدال على المواقف.
دعكم من الجانب الانساني إذ ليس له أي راغب او طالب في اسرائيل. ولكن ماذا عن الحكمة والعقلانية ماذا تكسب اسرائيل من هذا الحصار باستثناء الاستمتاع بمعاناة الاخر ومرحلة اخرى من الانحلال؟ بإسم عرفات كان قويا جدا ومحمود عباس ضعيف جدا والان ها هو امل المعارضين للتسوية ينبعث: الفلسطينيون مقسمون وليس هناك من يمكن التفاوض معه.
المصدر: مركز أبحاث المستقبل/تقرير الصحف العبرية/2-7-2009.

