أخبار » مقالات

هنيئاً لكم في تجمع النقابات المهنية.. و لكن

26 أيلول / مايو 2010 11:02

بالأمس القريب شاركت ضيفاً في المؤتمر الثاني لتجمع النقابات المهنية- غزة تحت عنوان "العمل النقابي.... فكراً و ممارسة".... و لعلي كنت أكثر الحضور سعادة بهذا الانجاز الكبير، لاسيما و انني كنت يوماً من الايام أحد قيادات تجمع النقابات المهنية قبل ان أتولى مسئولية وزارة الصحة في الحكومة الفلسطينية بعد الانتخابات التاريخية في يناير 2006.... في ذلك الوقت كان بالنسبة لنا حلماً أن نصل بالعمل النقابي الى هذه المأسسة و ان نبدأ في طرح العمل النقابي بطعم و لون اسلامي... هذا لا يعني ان علاقة الإسلاميين بالعمل النقابي قاصرة على جهد التجمع بل يمكن الحديث عن عشرات السنين من العطاء و المشاركة للاسلاميين داخل فلسطين و خارجها في النضال النقابي من اجل إحقاق الحقوق و نيل الحريات فهل يجوز لنا  ان ننسى قادة كبار من امثال د. عبد العزيز الرنتيسي.... و القائد م. اسماعيل ابو شنب نقيب المهندسين السابق.... و القائد د. إبراهيم المقادمة... و غيرهم الكثير ممن لا يتسع المقام لذكرهم.... و لكن الجديد هو ان العمل النقابي و خاصة على مستوى الفكر و الفلسفة يغتمد على تجرية الآخر غير الاسلامي و لا سيما في أوروبا... مما ابقى الباب دائماً مفتوحاً للنقاش داخل أروقة الحركة الاسلامية حول مدى انسجام هذه الافكار و الممارسات مع فكر و ممارسة الحركة الاسلامية.... و هل هناك رؤية و فلسفة خاصة للاسلام تجاه العمل النقابي هل العمل النقابي هدف في ذاته يسعى الاسلاميون لتعزيزه وتطويره... ام انه مجرد وسيلة للتعبير عن الذات في ظل رفض مشاركة الاسلاميين في العمل السياسي؟ و تعكس حجم التمثيل الجماهيري و الامتداد الشعبي؟ ما هو موقف الإسلاميين من العمل النقابي اذا وصلوا الى الحكم؟

هذا المؤتمر بادارته المميزة و أوراقه الرائعة جاء متأخراً قليلاً، و لكن أن يأتي خير من ألا يأتي، ممارسة الاسلاميين في فلسطين للعمل النقابي متقدمة كثيراً على التأصيل الفكري الاسلامي لهذه الممارسة.

و لذلك فانني اتقدم بالتهنئة الحارة للاخوة و الاخوات القائمين على هذا الانجاز الكبير والاضافة النوعية في العمل النقابي الاسلامي مع ابداء الملاحظات التالية:

 

أولاً:   افتقدت في الحضور كثير من القيادة النقابية أو المؤسسات المهتمة من أصحاب الرأي الآخر.... فما الحرج أن يأتوا و يشاركونا الرأي و يسمعول لما نقوله و نعلمه لكوادرنا، و الذي هو محل فخر و اعتزاز لكل نقابي في الداخل و الخارج.... نتحدث عن المهنية... الادوات النضالية... عن دور المرأة النقابي.... عن حقوق الانسان.... عن العلاقة مع السلطة الحاكمة....الخ هذه الموضوعات الحيوية والهامة لعمل نقابي فلسطيني تقدمي.

ثانياً:   غاب عن الأوراق التي تبحث في التأصيل للعمل النقابي، و هذا لا أعني بالتأصيل إلغاء الآخر. "فالحكمة ضالة المؤمن" و نحن نؤمن بتواصل و تكامل الحضارات وليس يصدامها... و المتتبع لتاريخ الامم يدرك ان لا يوجد أمة بدأت مشوارها الحضاري من الصفر... بل هي راية تسلمها امة للامة التي تليها حين توفر ظروف معينة تدفع بامة للتراجع للصفوف الخلفية و اخرى للتقدم نحو القمة و هكذا دواليك.

        و لكن المقصود بالتأصيل ان ما بين ايدينا من فكر و فلسفة للعمل النقابي في معظمه وافد نتيجة تفاعل ظروف معينة في بلد المنشأ، و المتتبع لهذا الارث يدرك ان العامل المادي كان هو المحرك الاساسي للنضال النقابي و خاصة في اوروبا حيث الثورة الصناعية و صراع الطبقات الاجتماعية على اسس مادية، و قهر العمال و حرمانهم من حقوقهم الاساسية لصالح الاقطاع و اصحاب رؤوس الاموال.... اخراج المرأة من بيتها للعمل، ليس حرصاً على انسانيتها و مساواتها، بقدر ما هو توفير عمالة رخيصة، و جسد عار للترويج للسلع و تسويق المنتجات.

        ان لدينا الكثير مما نقوله كاسلاميين في التأصيل لعمل نقابي يستند الى آفاق أرحب و اسمى مما نقله عن التجربة الاوروبية... اليس بيننا هو الذي يقول ان "احب الناس الى الله انفعهم لعياله" .... اليس نضالنا في الدفاع عن حقوق الناس واجب شرعي مرتبط بدين الفرد و موقفه يوم القيامة و ليس صراع طبقي ينتهي بزوال المصلحة المادية "و لا يحرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب لتقوى"....  اليس ديننا من طالب اصحاب العمل بدفع اجور العمال قبل ان يجف عرقهم... اليس ديننا هو الذي يطلب ممن يستخدم الناس في اطار العلاقة الانسانية بين الطرفين "ان اطعموهم مما تأكلون، و البسوهم مما تلبسون، و لا تكلفوهم مالا يطيقون" اليس ديننا هو الذي اعتبر اعظم الجهاد "كلمة حق في وجه سلطان جائر و ان سيد الشهداء حمزة و رجل وقف الى سلطان جائرة فأمره و نهاه فقتله" هذا غيض من فيض التأهيل لعمل نقابي حر و انساني و سامي و اصيل مع كل التقدير لتجارب الشعوب و الامم الاخرى.

ثالثاً:   كنا كاسلاميون في فلسطين دوماً من اكثر المتحمسين للعمل النقابي سواءً في فترة الاحتلال قبل اوسلو او فترة الاحتلال المعدل بعد أوسلو... و لكن حتى الانتخابات الاخيرة كنا نتحرك في العمل النقابي من موقع المعارضة... و حققنا في هذا الاطار انجازات كبيرة قد تكون مهدت السبيل لانتصار حركة حماس في انتخابات يناير 2006.... و لكن هل استطعنا ان نبدع في الاجابة عن السؤال المتعلق بالعلاقة بين العمل النقابي كمعارضة مطلبية و الحكومة في حالة توافق الخلفية الايدولوجية لطرفين؟ كيف نحافظ على التوازن الحساس بين حقنا في الدفاع عن حقوق المهنيين و استعمال كل الطرق و الوسائل النضالية مما يشكل حالة ضغط على الحكومة.... و بين موقفنا الوطني في مساندة حكومة مستهدفة من كل قوى الشر في الارض... و هذا الاستهداف لا ينال فقط من حركة حماس بل من ثوابتنا الوطنية و حقوقنا المشروعة... اين هو الخيط الفاصل بين انتمائنا لمشروعنا الوطني و انتمائنا لحقوق العاملين...  بكل تأكيد الحالة التي ادخلتنا فيها اتفاقية اوسلو "حكومة تحت الاحتلال" هي حالة فريدة من نوعها و تحتاج الى جهد خلاق و فكر ابداعي للاجابة على هذه الاسئلة.

رابعاً:  حالة الانقسام الفلسطيني أصابت بعضالها كل مناحي الحياة، فلم تبق شاردة و لا واردة في مجتمعنا الا و اصيبت بلونة الانقسام.... الزواج... الطلاق... التعليم... الصحة... الرياضة.... حتى العمل النقابي. و لكن بدلاً من ذلك فان العمل النقابي اصبح جزءاً من المواجهة السياسية بين الاطراف المختلفة في الساحة. و للاسف لم يتمكن الفاعلين النقابيين من تحييد العمل النقابي و تحويله بطريقة خلاقة إلى جزء من الحل و تقريب وجهات النظر و تعزيز الوحدة من خلال الإجماع على الحقوق المهنية، بدلاً من ان يكون جزءاً من المشكلة بالنفخ في بوق الخلاف و تكريس الفرقة على حساب الوطن و المواطن، فلم يتخيل يوماً ان يطلب من الطواقم الصحية أن تغادر مواقع العمل و تعرض حياة المواطن للخطر باسم العمل النقابي... بالتأكيد يمكن بذل مزيد من الجهد من الإخوة النقابيين لتحويل العمل النقابي إلى جسر للتوافق و تقريب وجهات النظر و الحرص على مصلحة الوطن و المواطن دون إغفال حقوق النقابيين.

 

خامساً: جميل مشاركة المرأة النقابية في أعمال المؤتمر حضوراً ومحاضرة، ولكن بكل تأكيد يطمح كل حريص على العمل النقابي إلى المزيد من المشاركة النسوية لاسيما وأن الإسلام يحمل الرجل والمرأة المسؤولية الاجتماعية مناصفة "النساء شقائق الرجال" "والمؤمنون المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".

 

على كل تهانينا إلى تجمع النقابات المهنية ... وإلى المزيد من الإبداع والتميز.

 

د. باسم نعيم

وزير الصحة ونقابي سابق

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟