اللاجئون الفلسطينيون في لبنان .. مآسي تتراكم وآهات تتعالى طالبة الخلاص
الحكومة: اللاجئين في لبنان متمسكون بحق العودة ولا حجة بمنع الحقوق المدنية والاجتماعية عنهم
غزة – خاص الرأي:
رغم ما يعانيه اللاجئون الفلسطينيون إلا أنهم يفتحون بين الفينة والأخرى طاقات أمل وبصيص من النور للابتهاج والتعالي على الأحزان، فاللاجئين الفلسطينيين في المخيمات اللبنانية والتي يعد قاطنوها الأتعس حظاً والأسوء حالاً بين اللاجئين في مخيمات الشتات، طل بصيص نور كسرت العتمة المسيطرة من خلال عرس جماعي لـ(50) عريسا وعروسة.
العُرس الجماعي الذي نظمته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الأسبوع الماضي في مدينة صيدا جنوب لبنان، تحت عنوان "وتكتمل فرحتنا يوم عودتنا"، فتح الباب مجدداً على قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والمحرومين من الحقوق المدنية والإنسانية، حيث يحرم ما يزيد عن (300 ألف) لاجئ معزولين في (12) مخيماً من أبسط الحقوق.
وتشير الإحصاءات إلى أن وتيرة هجرة الفلسطنييين من لبنان إلى دول أخرى تزداد، لأن الفلسطيني يرى انسداداً للأفق في لبنان، لاسيما وأنهم محرمون من شغل نحو (73) نوعاً من العمل والوظائف، وتعلل لبنان هذه السياسة التي مضى عليها أكثر من (63) عاماً بأنها لا تريد للفلسطينيين أن يستسيغوا العيش في الشتات وينسوا وطنهم.
العودة حق ثابت
رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية وفي كلمة متلفزة في حفل الزفاف الجماعي؛ طالب بضرورة منح الفلسطينيين في لبنان الحقوق المدنية والإنسانية، مؤكداً أنه لا تناقض بتاتاً بين منح اللاجئين تلك الحقوق ورفض المطلبق لمبدأ التوطين الذي ترفضه لبنان والفلسطينيين على حد السواء.
ودعا رئيس الوزراء المرجعيات الدينية والسياسية في لبنان إلى الدفع باتجاه ايجاد تشريعات وقوانين تمنح اللاجئين حقوقهم الطبيعية التي كفلها لهم القانون الدولي، ليحيوا حياة كريمة حتى يعودوا إلى موطنهم، مؤكداً تمسك كل الفلسطينيين بحق العودة، "كونه حقا فرديا وجماعيا ثابتا ولن يحيد أي فلسطيني عنه، رغم كل الحلول التي تحاول الالتفاف على هذا الحق".
وقال: "نحن متمسكون بحقوقنا وثوابتنا ومستمرون في نهج المقاومة التي صمدت وانتصرت في غزة رغم ما تعرضت له"، مهنئاً في ختام كلمته العرسان التي اعتبرها جزء من نضال الفلسطينيين بمسح الألم ورسم البسمة.
يذكر أن لبنان تصر على عدم منح الفلسطينيين الكثير من الحقوق المدنية والإنسانية رغم إداركها الحالة الخطيرة التي وصل إليها اللاجئين من بطالة وفقر وتدني الأجور، معللة ذلك بانها لا تريد أن تمهد للتوطين، علماً أنها قامت وبسبب الضغط المتزايد عليها في عام 2005 بتخفيف بعض من القيود المفروضة على الفلسطينيين.
الإبعاد عن الوطن
بدوره؛ قال مصطفى القانوع المستشار الثقافي لرئيس الوزارء في حديث خاص لـ "الرأي": "إن الفلسطينيين في لبنان لا يبحثون عن التوطين، فالحجة التي تتذرع بها الحكومة اللبنانية واهية وغير منطقية، فالفلسطينيين أحرص الناس على العودة واسترداد وطنهم، بالتالي لا يمنع أن يحصلوا على حقوقهم المدنية والاجتماعية، فليس من الجيد أن نحقق ما يربو إليه الاحتلال بابعاد الفلسطينيين أكبر قدر ممكن عن وطنهم حتى ينسوه".
وأضاف القانوع -الذي عاش ردحاً من الزمن في لبنان وعايش المعاناة الفلسطينية هناك-: "قد يكون النظام الطائفي في لبنان هو ما يمنع اللبنانين من منح الفلسطينيين حقوقهم، فهم يخشون أن يصبحوا مؤثرين في الساحة اللبنانية، وإلا لماذا جُنس الآلاف من الفلسطينيين المسيحيين فيما يترك الباقون بلا حقوق؟!، ولماذا يُشجع الفلسطيني على ترك لبنان والهجرة بعيداً عن فلسطين؟!".
وأوضح أن درجة الظلم الواقع على الفلسطينيين كبيرة، فمثلا أطباء فلسطينيين يعملون في المشافي اللبنانية بعقود عمل ممرضين لأن القانون اللبناني يمنع على الفلسطيني مزاولة مهنة الطب، مؤكداً أنه لا بد أن يكون هناك تحرك حضاري هادئ على مستوى اللاجئين والجهات اللبنانية الداعمة لحقوق الفلسطينية ونقل الملف لجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي او حتى للأمم المتحدة لتحل القضية.
ودعا المستشار الثقافي لبنان رئيساً وحكومةً وبرلماناً وشعباً إلى الاصطفاف في صف إخوتهم الفلسطينيين، وإعطائهم كافة الحقوق التي تضمن استمرار توهج شعلة نضالهم، وعدم خدمة الاحتلال بغير قصد في دفعهم على الهجرة وابعادهم عن وطنهم فلسطين.
يذكر أن ما بريو عن (120 ألف) فلسطيني لجئوا عام 1948 على لبنان وتم في حينه تجنيس (30 ألفاً) منهم جلهم من المسيحيين، ومن المقدر أن يكون عدد الفلسطينيين في لبنان بعد مرور 60 عام على النكبة حوالي (600 ألف) فلسطيني ولكن بسبب السياسات القاسية بحق الفلسطينيين هاجر الكثير منهم ليبقى في لبنان ما يزيد عن (300 ألف) لاجئ بقليل.
مأساة ومرارة
ويجسد اللاجئ خليل عناني وعائلته في مخيم عين الحلوة الواقع جنوبي لبنان قضاء مدينة صيدا، نموذجاً للأسر الفلسطينية الصابرة والمناضلة، حيث تمزج لقمة العيش بعرق الكفاح، لتؤكد أن الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء رافض للتوطين، متمسك بحق العودة.
في بيت صغير ضيق يتكون من غرفة ونصف يفصل بينهما لوح من الخشب، يقيم الفلسطيني خليل أديب عناني (53 عاماً) المهاجر من يافا منذ 40 عاماً، شمالي المخيم مع أفراد عائلته المؤلفة من الزوجة و6 أبناء، إضافة إلى أمرين يلازمان الأسرة هما الرطوبة والمرض، بسبب غياب الشمس والهواء عن البيت، علاوة عن الجوع الذي يخيم على البيت أياما وأيام.
ويقول عناني: "نحن محرومون من أدنى الحقوق فلا يحق لنا تحسين بيوتنا ولا ترميمها ولا التنقل إلا من خلال إذن مسبق، وما يزيد الطين بله هو عدم امتلاكنا لأوراق ثبوتية فبتالي لا نتلاقى تعليم ولا علاج، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا لا تعترف بنا"، ويضيف "بسبب عدم امتلاكي لأوراق ثبوتية أخشى الاعتقال والمحاكمة والترحيل بسبب أن اتفاقيات منظمة التحرير مع لبنان والتي بموجبها لجأنا إلى لبنان ألغيت".
ويعرض عناني ما يسميها "هويته الغريبة" التي يستطيع بها التنقل خارج المخيم، وهي عبارة عن ورقة كبيرة مصدقة من الأمن العام في لبنان، قائلا بلجهة فيها سخرية من وضعه القائم: "لكل العالم هويات صغيرة، إلا نحن هوياتنا كبيرة كي يتعرفوا علينا سريعاً".
تراكم المشاكل
من ناحيتها تقول مريم حوراني زوجة عناني: "أنا أملك بخلاف زوجي هوية زرقاء، ولكنها لا تقدم لي الكثير أو تخفف عني المعاناة، فأنا حتى اليوم ما أزال عزباء وفق الهوية، حيث يوجد مشكلة في إتمام الزواج بالنسبة لنا كفلسطينيين خاصة غير الحاملين لبطاقات".
وأضافت حوراني: "لقد تقدم لخطوبة ابنتي الكثير من الشباب، ولكن لا أريد أن أراكم مشكلة فوق أخرى، إذ لا ينفذ عقد القران في المحاكم، ولا في دوائر النفوس، ولا في وكالة "الأونروا"، الزواج يكون عند الشيخ فقط، صعب أن يشعر الإنسان كأنه لقيط أو بلا أصل".
بينما تقف إيمان عناني (14 عاماً) والحزن في عينيها وتقول: "أدرس في مدرسة بيسان التابعة للأونروا، وأكثر الأحيان أكون خجولة لأنني لا أملك بطاقة تثبت هويتي، وأشعر أنه لا قيمة لي إذ لا أستطيع أن أعرّف عن نفسي كما يفعل الآخرون".
وأضافت: "انخرطت في إحدى الفرق الفنية الفلسطينية باكراً من عمري، أردت أن أعبّر عن موهبتي وإيصال رسالة في ذات الوقت إن الوطن أكبر من معاناتنا ومن أجله يهون كل شيء حتى الأرواح، ولكنني صدمت عندما حرمت من السفر مع الفرقة إلى رام الله في الضفة ، حيث كانت أمنيتي أن أزور بلدي".
وتعلق أيمان أماني كبيرة في العودة إلى وطنها فلسطين لتعيش بحرية وعزة، وتتنقل كيفما تشاء بلا قيود أو اعتقال أو خوف، كما تتمنى أن تمتلك جواز سفر فلسطيني، لأنها لا تفكر بأي مستقبل في أي مكان في دنيا سوى فلسطين.
يشار إلى أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان موزعين على (12) مخيماً، هي مخيمات (نهر البارد، عين الحلوة، برج البراجنه، المية مية، شاتيلا، البص، البرج الشمالي، ويفل (الجليل)، الرشيدية، الضبية، مار لياس، البداوي).

