رغم الخطر الشديد المحيط بها
الأنفاق الحدودية .. بديل اضطراري يستخدمه فلسطينيو القطاع في ظل استمرار الحصار والإغلاق
الغصين: حالة استثنائية نتجت في ظل الحصار الجائر المفروض على القطاع
النشار: ارتفاع عدد الضحايا نتيجة الصواريخ والقنابل التي أطلقت خلال الحرب
غزة – خاص الرأي:
تعتبر ظاهرة الأنفاق على الحدود الفلسطينية المصرية ظاهرة قديمة صاحبت سنوات الاحتلال، وشكلت ملاذا آمنا للمقاومين عبر تهريب ما كان يلزمهم من عدة وعتاد، ولكن مع اشتداد الحصار الجائر وفرض الإغلاق المستمر على القطاع انتشرت هذه الظاهرة المثيرة للجدل وتوسعت منذ ما يزيد عن الثلاثة أعوام وهي أشد أعوام الحصار، وتعد تلك الأنفاق بديلا اضطراريا يستخدمه الفلسطينيون لإدخال المواد الأساسية إلى داخل القطاع؛ في ظل استمرار سياسة الحصار والإغلاق المتواصلين على غزة، ولاشك أن دخول الحاجات الأساسية عبر هذه الأنفاق يعرض حياة العاملين فيها إلى الخطر الشديد، فمن أجل لقمة العيش تجد شباب في عمر الزهور يحملون أرواحهم على أكفهم لتوفير قوت يومهم لإدخال الجزء اليسير من المواد الغذائية لمن يقطنون هذا السجن الكبير.
هذه القضية دفعت صحيفة "الرأي" لتسليط الضوء على تلك الظاهرة الاضطرارية في ظل تزايد ضحاياها.
عمل تحت الأرض
التقينا أبو العبد وهو أحد العمال الذين يعملون في الأنفاق يقول أنه يشاهد الموت كل يوم أثناء عمله تحت الأرض وأنه مجبر على ذلك. وقال أحاول أن أجد عملا أخرا وأتألم كثيرا عندما أتذكر أصدقائي الذي قتلوا تحت هذه الأنفاق.
وتابع قائلا:" لقمة العيش صعبة في ظل الحصار والجوع ونحن معرضين للموت إن لم يكن تحت الأنفاق فمن الجوع" .
في حين أكد الدكتور معاوية حسنين مدير عام الإسعاف والطوارئ بمستشفى الشفاء على أن ناقوس الخطر يدق أجراسه بسبب ارتفاع عدد ضحايا الأنفاق منذ عام 2007 وحتى اللحظة إلى 112 ضحية من الشباب الفلسطيني وما يزيد عن 360 حالة من المصابين بحالات الاختناق والحروق والصدمات العصبية والارتجاج الدماغي، لما تحتويه الأنفاق على أجهزة كهربائية وآلات سحب وجر، إضافة إلى الإمدادات البترولية كالكيروسين والسولار والبنزين وبعض الغازات الأخرى، التي تتسبب في كثير من الأحيان بحالات اختناق ووفاة نتيجة تسربها.
وأضاف حسنين " الأنفاق وسيلة نجحت في فك الحصار المفروض على قطاع غزة، والذي منع العمال الفلسطينيين من العمل المحترم كالصناعة والزراعة والتجارة ليتمكن القطاع في إيجاد فرص عمل ترفع من شأن الاقتصاد الفلسطيني"
وتحدث معاوية حسنين عن جوانب استخدام هذه الأنفاق، وقال «رغم مخاطرها إلا أنها وفرت مقومات الصمود للشعب المحاصر في قطاع غزة فأصبح في متناول المواطن الفلسطيني الوقود في كل مكان بالقطاع ولاستخدامات متعددة، إضافة إلى كثير من السلع الأساسية التي تضمن مقومات الصمود، كذلك يتم إدخال بعض المواد الأساسية التي تساعد في الصناعة الفلسطينية البسيطة، لكن هذا لا يلغي الحاجة الملحة والماسة لفك الحصار عن القطاع لإعادة اعماره من جديد.
وناشد حسنين الضمير الإنساني و مراكز حقوق الإنسان لإنقاذ مواطني قطاع غزة من الكارثة الصحية والبيئية التي يتعرض لها في الوقت الراهن، فهناك نقص حاد في الأدوية ، فالقطاع يعيش حالة مشابهة لحالة حرب الفرقان.
حالة استثنائية
من جهته،قال إيهاب الغصين المتحدث باسم وزارة الداخلية "إن ظاهرة الأنفاق هي حالة استثنائية نتجت في ظل الحصار المفروض على القطاع ومن يتحمل مسؤولية ارتفاع ضحايا الأنفاق هم الذين يحاصرون قطاع غزة منذ أكثر من ثلاث سنوات".
وأضاف "نعتبر أن الأنفاق ظاهرة غير شرعية لكن في ظل حالة الحصار التي يعيشها الشعب الفلسطيني فمن حق الشعب الفلسطيني إتباع أي وسيلة للتخفيف من المعاناة ".
وأكد الغصين على أن انهيار الأنفاق يشترك فيها أكثر من طرف أولها يتمثل في حفر الأنفاق بطرق بدائية وليست طرق هندسية؛ الأمر الذي يؤدى إلى انهيارها إضافة إلى محاربة الجانب المصري للأنفاق وتفجيرها إلى جانب استهداف الاحتلال الإسرائيلي لها.
وأشار الغصين إلى أن وزارة الداخلية لا تعطى شرعية لهذه الأنفاق لأنها ليست معابر رسمية وإنما حاله استثنائية، مؤكدا علي أن وزارة الداخلية تتابع أصحاب تلك الأنفاق باعطاءهم إرشادات لإتباع الإجراءات اللازمة للحفاظ على سلامتهم.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية أن الوزارة منعت عمالة الأطفال بالأنفاق بعد تزايد الأعداد حيث تم تشكيل لجنة خاصة لتنفيذ هذا الأمر، مشيرا إلى أن من يتحمل المسؤولية هو الحصار والمحاصرون وكلما استمر الحصار زاد شهداء الحصار ومن ضمنهم من يستشهدون داخل الإنفاق داعيا إلى ضرورة فك الحصار.
ظاهرة مرفوضة..ولكن
من جانبه، بين المهندس عيسى النشار رئيس بلدية رفح موقف البلدية قائلا" ظاهرة الأنفاق مرفوضة بالمطلق، لكن نتيجة الحصار والظروف القاسية التي يواجهها القطاع اضطررنا لإيجاد وسائل بديلة من أجل توفير احتياجات المعيشة الأساسية."
وتابع : إن ارتفاع عدد الضحايا في الفترة الأخيرة نتيجة طبيعية لحجم القذائف والصواريخ التي ألقتها إسرائيل على الشريط الحدودي خلال حربها الأخيرة على غزة والتي أدت إلى خلخلة لم تظهر نتائجها إلا في الوقت الحالي.
وأما عن دور البلدية فقال النشار" شكلت البلدية لجنة لمتابعة الأنفاق من خلال إجراء جولات تفقدية على الشريط الحدودي، لتشديد الرقابة والتأكيد على الأمن والسلامة وتوفير الإسعافات الأولية وعدم إدخال المواد القابلة للاحتراق داخل الأنفاق وعدم تشغيل من هم اقل من 16سنة، وعدم تشغيل العامل أكثر من 8 ساعات يوميا.
عوائق كبيرة
وأشار الملازم عمر أبو عيادة في الدفاع المدني إلى أن ظاهرة الأنفاق مستجدة مما يشكل عائقا كبيرا لدى رجال الدفاع المدني لتسخير إمكانياتهم لتناسب عملية الإنقاذ تحت الأرض والتي تشمل استخدام كمامات الأكسجين وسفينة الإنقاذ وهي وسائل مسخرة كإسعافات أولية .
وقال" أسباب الحوادث المؤسفة في الأنفاق متعددة منها انهيار النفق، أو بسبب الانفجارات التي تحدث من الجانب المصري بهدف هدم الأنفاق والتي على أثرها تتسرب غازات إلى داخل النفق بلا رائحة ولا لون وبمجرد استنشاقه يسبب فقدان الشعور لدى العامل في النفق مما يؤدي للوفاة في معظم الحالات.
وأضاف " تشكلت لجنة من الدفاع المدني لمتابعة الأنفاق على طول الشريط الحدودي، وهناك حالات كثيرة يتم إنقاذها، لكن ضمن الإمكانيات والقدرات التي سخرت لذلك".
وهكذا تستمر المعاناة من أجل البقاء ويدفع الفلسطيني الثمن مرتين أولاها بمعاناته نتيجة الحصار وثانيها عندما حاول كسر هذا الحصار بما تيسر له من السبل، ورغم جهود الحكومة في هذا الإطار للحد من الضحايا ومحاولة وضع الضوابط التي تحد من وقوع الخسائر إلا أنها تبقى أسيرة واقع صعب فرضه الاحتلال وأعوانه من خلال الحصار المفروض على مواطني قطاع غزة.

