لقد دشن تنامي استخدام وظهور الانترنت وما تلاه من شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر في العالم العربي مرحلة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأضحت هذه الشبكات هي المتنفس الذي يعبر فيه الشباب عن طموحاتهم وآمالهم في التغيير، ولهذا برزت هذه الأدوات الإعلامية التفاعلية الجديدة كعامل مشترك في التحركات الشعبية التي سبقت ومهدت وقادت الثورات العربية، بعيدا عن أعين أجهزة الأمن وسطوتها، وفي منأى عن متابعتها الروتينية للتجمعات والتفاعلات المجتمعية المختلفة.
وإذا كان هذا حال الشباب العربي مع بلدانه، واستخدامه لهذه الأدوات فإن للشباب الفلسطيني حال آخر، حيث سخرها لخدمة قضيته والتعريف بها وحشد المؤيدين لها والمدافعين عنها، باختلاف جنسياتهم ومشاربهم الثقافية ولغاتهم، فانتشرت على صدر هذه المواقع والشبكات عشرات الصفحات التي تعنى بالقضية الفلسطينية في شتى الجوانب، فهذه صفحة لعرض تاريخ فلسطين ومراحله المختلفة، وأخرى لعرض جغرافيتها وتضاريسها، انطلاقا من القول القائل أن من لا يفهم الجغرافيا ويربطه بالتاريخ، لا يمكن له فهم الحاضر الماثل أمامه، أو تنبؤ المستقبل، وبتعدد صور وأشكال انتهاكات الاحتلال وممارساته العدوانية، تعددت الصفحات الفلسطينية على شبكات التواصل الاجتماعي.
ولكن تميزت صفحة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة كأبرز هذه الصفحات وأكثرها جدلا وأوسعها انتشارا وأنظمها ترتيبا وأنشطها مشاركة وتفاعل، فهذه الصفحة التي تدعو لفكرة الانتفاضة الشعبية في الخامس عشر من مايو القادم في ذكرى يوم النكبة، قد أنشأت في السادس من شهر آذار الماضي، وتميزت كونها تواجه الاحتلال بأدوات الإعلام الجديدة، وتحاربه بذات السيف الذي ظل مسلطا أمدا بعيدا على رقابنا كفلسطينيين، لذا لم يكن من الغريب أن يضيق الاحتلال -بها وبجهودها في فضحه- ذرعا، فتطالب شخصيات "إسرائيلية" عديدة إدارة الموقع بإغلاق الصفحة على الفيسبوك، بعد وصول عدد أعضائها لأكثر من ثلاثمائة ألف مشترك، بدعوى احتواءها على تحريض من شأنه أن يلحق الأذى باليهود و"الإسرائيليين"، وفي الحال، تستجيب إدارة الموقع لتكون أولى الصفحات الفلسطينية التي تتعرض للإغلاق والحجب من قبل إدارة الفيسبوك، رغم تأكيدات القائمون عليها التزامهم بالمنهج السلمي والدعوة الإعلامية الخالية من التحريض.
ويبدو أن الاحتلال لم يقرأ تجارب بعض الأنظمة العربية التي لجأت إلى حجب هذه المواقع ومنعها، في محاولة لمنع التواصل والتشابك بين مشتركي هذه المجموعات، لذا كانت النتيجة مغايرة لتوقعاته، حيث خرجت عشرات الصفحات الأخرى التي تحمل نفس الاسم وتنادي بذات الطلب، للرد على ما مارسه الاحتلال من إرهاب وما مارسته إدارة الفيسبوك من احتكار وتواطؤ لم يجد الكثيرون له مبرر، ليطرح سؤال حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تقوم به شبكات التواصل الاجتماعي، وتوظيفها لخدمة القضية الفلسطينية، بعيدا عن سيطرة الاحتلال ونفوذه المعهود.
وإذا كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987م، قد قامت نتيجة تضافر العديد من الظروف الاجتماعية والسياسية داخل الأراضي المحتلة، كما هبت الجماهير في الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000م، دفاعا عن المسجد الأقصى، وضربا بكل اتفاقات التسوية عرض الحائط، لتتميز هاتان الانتفاضتان بالمفاجأة وعدم التوقع، فهل يمكن أن القول أن الظروف الآن باتت مهيأة داخل وخارج فلسطين لقبول هذه الدعوة الجديدة للانتفاضة الثالثة في أيار للعودة وتثبيت الحق في الأرض؟ وهل يمكن أن تقوم شبكات التواصل الاجتماعي التي يحركها الشباب بذات الدور الذي قامت به الفصائل والتنظيمات في الانتفاضتين؟.
أعتقد أن الإجابة على السؤالين تتطلب النظر إلى واقع ما يحياه الشعب الفلسطيني اليوم، بين داخل يعاني من الانقسام وتعدد الرؤى السياسية، كما يعاني من جرائم الاحتلال الذي تجبر مستغلا حالة الضعف والوهن الراهن، وخارج يعاني من تبعات هذا الانقسام فلا يلقى اهتماما ولا عناية أو توجيه لقدراته وتسخيرها لخدمة القضية، ولكن يبقى الاحتلال متجذرا في الوجدان والذاكرة والضمير الفلسطيني، باعتباره أساس كل مصيبة ومنبع كل بلاء، لهذا يوجه الفلسطيني دائما وكلما ضاق به الحال، جام غضبه وسخطه على مسبب آلامه وشجونه ألا وهو الاحتلال، فهل يفعلها من جديد في منتصف أيار؟!

