لا جدال حول أهمية النشاط الزراعي لأي بلد من البلدان بحكم تخصص هذا النشاط في إنتاج المحاصيل الزراعية الضرورية لحياة الإنسان والحيوان على حد سواء. وهي حاجات يومية أساس لا بد من توفرها بشكل دوري منتظم، ناهيك عن أن هذا النشاط يقدم المدخلات الرئيسة للعديد من الصناعات التحويلية كخامات رئيسة، إضافة إلى أن نشاطه يتطلب استخدام العديد من المنتجات الصناعية والخدمية , الأمر الذي يؤكد على العلاقات التكاملية بين الزراعة و غيرها من الأنشطة الاقتصادية , إضافة إلى قدرة النشاط الزراعي على استيعاب أعداد لا يستهان بها من العاملين ا لزراعيين ولا تتوقف أهمية النشاط الزراعي عند هذا الحد بل إن منتجاته تعتبر من المحاصيل التصديرية وتشكل مساهمته في مجالات التجارة الخارجية وفي إطار العلاقات الاقتصادية الدولية إسهامات كبيرة .
ويمكن القول أن القطاع الزراعي في فلسطين قد تراجع دوره في الناتج المحلي الإجمالي منذ سبعينات القرن الماضي بسبب ممارسات الاحتلال الإسرائيلي كما استمر ها التراجع مع قيام انتفاضة الأقصى في عام 2000 بحيث أن مساهمته في هذا الناتج قد انخفضت من 10.4%إلى 6.4 % فيما بين عامي (1999-2010). كما أن قيمة هذا الناتج قد تدهورت بشكل ملحوظ ففي حين إن هذه القيمة كانت قد بلغت نحو 471 مليون $ عام 1999 فإنها قد تراجعت إلى أدني قيمة لها وذلك عام 2008 حيث بلغت 213 مليون $ فقط .
إن هناك عوامل عديدة ساهمت في هذا التدهور، فبجانب ممارسات سلطات الاحتلال المعرقلة للحياة الاقتصادية فإن النشاط الزراعي لم ينل الأهمية الكافية ضمن برامج ومشاريع التنمية الاقتصادية التي السلطة الوطنية الفلسطينية منذ قيامها في عام 1994 ، إضافة إلى تحديات عديدة يأتي في طليعتها النقص الحاد في كميات المياه اللازمة للري.
وأما اعتبارا من عام 2009 فقد حدث تحول ملموس بحيث ارتفعت قيمة الناتج الزراعي إلى 293 مليون $ ثم إلى 364 مليون $عام 2010 .أي بنمو سنوي بلغ 36%و 24% خلال العامين المذكرين على التوالي، مما شكل قفزة مهمة في هذا المضمار.
إن المتتبع لتطورات الأمور بشأن النشاط الزراعي يلمس بوضوح الجهود المبذولة من الجهات الرسمية وهيئات المجتمع المدني وذلك على مستوى الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة .
فعلى مستوى قطاع غزة هناك الإطار العام لإستراتيجية التنمية الزراعية العشرية التي تغطي الأعوام (2010-2020) الصادرة عن وزارة الزراعة في يناير 2010. وهذه المطبوعة تمثل الوثيقة السابعة ضمن سلسلة الوثائق التي صدرت بهذا الشأن .
لقد شخصت هذه الإستراتيجية "كما يقول وزير الزراعة " مكان من القوة ونقاط الضعف ومواطن التهديد وكذلك الفرص والإمكانات المتاحة كما جاء إعدادها وصياغتها بعد فترة عمل تجريبية وبعقول وأيدي فلسطينية خالصة بحيث أن التفكير في إعدادها يعود لنحو خمس سنوات مضت قبل ظهورها على أرض الواقع ومن ثم اعتمادها وتنفيذها . ولعل من أبرز مبررات إعداد هذه الإستراتيجية الرغبة الجادة في إعادة الاعتبار للنشاط الزراعي كأحد القطاعات المهمة والرئيسة في ظل أضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
أما على أرض الواقع فهناك الكثير من المشاريع الزراعية التي أخذت طريقها نحو التنفيذ و ذلك بخطوات مدروسة وأسفرت عن نتائج ايجابية وخاصة في مجال مشاتل الزيتون و اللوزيات والتي اتخذت من محررة العاشر من رمضان بخانيونس مقرا لها هذا إضافة إلى مشتل بيروحاء للنخيل في خانيونس أيضا. وتستهدف هذه المشاتل التجهيز لاستزراع أكثر من مليون غرسة من كل محصول، بعد أن يتم توزيعها بأسعار رمزية على المزارعين ، و قد تحقق بالفعل قدر كبير من هذا الهدف .
وبالتوازي مع ذلك فإن سياسة الزراعة العضوية تمضي قدما ويعزز من هذه السياسة إنتاج السماد الطبيعي القائم على الاستفادة من المخلفات العضوية الصناعية و المنزلية. ولهذا الغرض فقد أنشأت وزارة الزراعة محطة لإنتاج سماد " الدبال" أو ما يسمى "الكمبوست"وذلك في محررة القسطل بدير البلح .
إن النهوض بالنشاط الزراعي يقتضي إيلاء الإنتاج ا لحيواني الأهمية إلي يستحقها جنبا إلى جنب الإنتاج النباتي ومن بعض صور الاهتمام بالثروة الحيوانية تعويض النقص الحاد في الثروة السمكية وذلك بإقامة محطات الاستزراع السمكي ،و لهذه الغاية فقد أنشئت محطة حديثة للاستزراع السمكي بمحررة حطين قرب خانيونس ، تقوم على إنتاج زريعة السمك من أنواع مختلفة تتناسب مع أذواق المستهلكين وذلك بتوزيعها على المزارعين الذين تتوفر لديهم البرك والأحواض المائية ومختلف مقومات هذا النشاط ، و من ثم فالمأمول عرض كميات وافرة من هذه الأسماك في المستقبل القريب.
إن استمرار هذه الجهود المستندة إلى منظومة عمل متكاملة الجوانب سوف تعطي الفرصة لإحداث نهضة مهمة للنشاط الزراعي و الصناعي أيضا تتيح الفرصة لزيادة الإنتاج بمعدلات عالية مع تنوع حاصلاته و من ثم تقليل الحاجة نحو استيراد الغذاء من الخارج مع استيعاب مزيدا من فرص العمل.

