أي خطوة سياسية تجد قبولا ورفضا, ويُسجل الرأي العام عليها السلبيات ولها الايجابيات، وتكون النتيجة النهائية حسب رجاحة كفة إحداهما.
السيد محمود عباس في خطابه أمام المجتمع الدولي سجل نجاحاً واضحاً في تحريك مشاعر العاطفة لدى الحضور، وتمكن من توصيف الحالة الفلسطينية وتعقيداتها وصعوباتها وآثارها الكارثية الواقعة بفعل الاحتلال الصهيوني من تهجير، واستيطان، وشهداء، وأسرى، وجدار الفصل العنصري ,وتهويد للمقدسات، وحصار ...
كما أنه نجح في التخلص من عقدة العلاقات الداخلية الفلسطينية على غير عادته في خطاباته التي كان يفرد لها مساحات زمنية ولفظية واسعة، وجاء ذكرها ايجابيا بسطر واحد فقط بغض النظر عن واقعية حديثه عن المصالحة. إذن هنا أصاب ولا اعتقد أن أحداً من الفلسطينيين أو المراقبين يختلف على ذلك.
وبمنطق العلم والتجربة، وبلغة الحلول فان التشخيص الدقيق والصحيح يتطلب وضع طرق علاج سليمة تتوائم مع القدرة على التشخيص، وهذا ما أخفق فيه أبو مازن في خطابه، فلم يكن الحل المطروح وخلاصات الموقف يوازي الإحساس بالمشكلة التي تمكن من توضيحها وتحديدها ووضعها في إطار معلوم متفق عليه.
فأبو مازن اخفق في النقاط التالية :
أولاً: إن ذهابه لمجلس الأمن لم يكن بديلا ًعن فشل مسار التسوية والمفاوضات على مدار عقدين من الزمن بل جاءت في سياق المشروع التفاوضي المختلف عليه فلسطينيا فافقد خطوته الإجماع الوطني.
ثانياً : بان ضعيفاً وهو يستجدي الجانب الصهيوني في طلب العودة إلى المفاوضات وأنه على استعداد للعودة فوراً.
ثالثاً: اعترف رسمياً ولأول مرة أمام الشهود الدوليين أنه تنازل عن 78% من فلسطين التاريخية، وأن النقاش والتفاوض سيكون على 22% ذات الأغلبية الضائعة بفعل الاستيطان، وبذلك ترسيم لدولة الاحتلال لأول مرة حيث أن الاحتلال لم يرسم حدوده المزعومة حتى الآن، وهو تأكيد متجدد على ضياع فلسطين.
رابعاً: أسقط الحق في المقاومة بكافة أشكالها التي كفلها القانون الدولي لكل شعب يقع تحت الاحتلال وذلك باصراره على ترديد المقاومة الشعبية السلمية وإغلاق الباب أمام غيرها من الوسائل.
خامساً: جاء ذكر حق العودة مبهماً، ووفق الرؤى السابقة المتداولة بين الطواقم المفاوضة السرية والعلنية، وهذا لا يعطيهم حق العودة إلى ديارهم التي هجروا منها.
هذا ما اخفق فيه أبو مازن في خطابه، يُضاف إلى ذلك خطأه قبل الذهاب في التفرد وتعطيل المصالحة حيث دفعه ذلك لطرح رؤيته الحزبية والخاصة للحل لا رؤية الإجماع الوطني المتفق عليها في العديد من الوثائق والاتفاقات.
وأمام ذلك فإن الحالة الفلسطينية تحتاج الى التالي:
أولاً: إتمام المصالحة الفلسطينية على قاعدة الشراكة الحقيقية بين كل الاطراف الفلسطينية.
ثانياً: إعادة ترميم وتأهيل منظمة التحرير الفلسطينية فكراً وإدارة ومنهجا لتكون الإطار التمثيلي الحقيقي لا النظري للشعب الفلسطيني.
ثالثاً: فتح حوار منظم في الداخل والخارج لدراسة النضال الفلسطيني على مدار الستين عاماً الماضية، والاتفاق على رؤية إستراتيجية جديدة تراعي كل المتغيرات الداخلية والإقليمية والخارجية بما يضمن التوافق على الأهداف المرحلية والأدوات والأساليب لتحقيق الحلم الفلسطيني في الاستقلال وتقرير المصير وقيام الدولة المستقلة.
رابعاً: وضع الآليات المتفق عليها للاستثمار الأمثل للربيع العربي والثورات العربية لان هذا يصب في النهاية لصالح القضية الفلسطينية برمتها وليس لصالح فئة أو حزب أو جماعة محددة.
خامساً: دراسة القانون الدولي، والنظر للتعاطف الدولي الشعبي والرسمي مع فلسطين بما يضمن موقفاً ايجابيا من حقنا دون الاضطرار للتنازل عن غالبية فلسطين.
وأخيراً إن التصريحات التي أدلى بها السيد أبو مازن بأنه ينوي فتح نقاش معمق مع حماس تحتاج إلى ترجمة واقعية ملموسة بعيداً عن اعتبارات الضغط والإقصاء أو الاحتواء فانا فأعتقد أن ما دار في القاهرة مطولاً هو مُعمق وفيه رؤية متفق عليها، ولكنها تحتاج لإرادة التطبيق والتنفيذ، والشعب يُريد ترجمة لما جاء في الخطاب أمام الجمعية العامة بخصوص المصالحة والتصريحات التي تلتها ... ومن المهم أن يكون ذلك بوابة للحوار الشامل نحو الإستراتيجية الجديدة.

