مخاض طويل، ضجيج عالِ، وإعلام صخبه مرتفع صاحب ما أًصطلح إعلامياً عليه "استحقاق أيلول"، وتمخض الجبل في نهاية المطاف عن وثيقة تنازل استراتيجي قُدمت إلى الأمم المتحدة لتكون في أرشيف التراجع في قضية القضايا ورغم خطاب عباس المفعم بالعاطفة المشحون بالبلاغة الممنوح قسط وافر من التشجيع والتصفيق الحار، الملامس قضايا فلسطين الإنسان والتاريخ عبر محطات التطهير العرقي والعنصرية المقيتة عبر جدار التقطيع العنصري وسرطان الاستيطان الملتهم للأرض مع استعراض جياش لمسيرة استمرت منذ عام 1948م لاقت تصفيق الاستعطاف لا اصطفاف الموقف. وقد تجاهل الخطاب للأسف التعريض للموقف الأمريكي بيّن الانحياز والإجحاف خاصة بعد وعد أوباما برغبته في رؤية دولة فلسطينية في أيلول 2011م الذي تراجع بعد عام عن هذا الوعد إلى أن "الطريق إلى عضوية فلسطين يتم عبر المفاوضات وليس من خلال القرارات".
للأسف مجدداً، هذا الاستعراض لمسيرة مفعمة بالتضحية والآلام والمعاناة لم يتمخض عنه موقفاً سياسياً جديداً عدا عن اسطوانة الدعوة للعودة إلى المفاوضات المشروخة مع رغبة جامحة في تحديد المرجعيات لجولات تفاوض جديدة لعشرين عاماً جديداً أو يزيد كي يتحقق على الأرض " الحياة مفاوضات". ورغم الإقرار الرسمي لعباس فشل المفاوضات التي استمرت عشرون عاماً من السراب، حيث نعى عباس بشكل علني و أممي مشروع التسوية، وكان جديراً بالسيد عباس الوصول إلى إعلان وقف إستراتيجية التفاوض والدعوة إلى التعاطي مع خيارات الشعب الفلسطيني المفتوحة.
هذا التباين الغريب بين لغة الخطاب العاطفية والموقف السياسي المُستخلص مما يفقد الخطاب قيمة الإعجاب التصفيقية، وحقاً صدق محمود درويش "ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة". وللأسف، كان الجرم الأخطر في تقديم التنازل عن 78% وبالتالي شطب حق تقرير المصير ومنح الشرعية الضمنية "لدولة يهودية" وذلك تماهياً مع وعد بلفور المشئوم في منح "حق إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين"، ومع منح الأمم المتحدة بريطانيا حق الانتداب على فلسطين ومن ثم قرار التقسيم (181). وما سينجم عن ذلك من إسقاط حق المقاومة عبر اعتماد دولة الاحتلال كدولة جوار بعد اعتماد دولة الورق (فلسطين)، هذا علاوة على الخطر على فلسطيني 1948 وذلك إما بالترحيل أو الالتزام الكامل بالجنسية الصهيونية. وكل هذا الثمن الباهظ تحت زعم موهوم بالحصول على تفويض من الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، واستثماراً للمصالحة التي تم توقيعها بين فتح وحماس للذهاب إلى أبعد مدى ممكن في التنازل عن الحقوق وعلى رأسها حق العودة بدعوى "حل عادل متفق عليه".
المحزن في مشهد التفريط هذا أنه يأتي في إطار بطولي يُقابل بالمهرجانات والتصفيق الحار والاحتفالات، وليس بمزيد من الحزن والرثاء على حال قضية القضايا التي عادت ملهاة عبث مستمرة، مما يشكل تدميراً لاستراتيجيه العمل الوطني الفلسطيني عبر حصرها جغرافياً ومرجعياً وشطب خيارات الشعب الفلسطيني على طريق إلغاء حقوق الشعب في التحرير وتقرير المصير.
إن المغامرة السياسية الخطرة التي أقدم عليها عباس رغم معرفتي الشخصية بذكائه السياسي وقدرته على السير في حقل ألغام فتح المتشظية، واستثمار وجود القوى الفلسطينية لصالح رؤيته السياسية المعروفة للعالمين. للأسف هذه المرة، جاءت مغامرة عباس منسجمة مع رؤية شارون للحل والذي سعى بشكل حثيث عبر خطة الفصل الأحادية إلى عزل قضايا الحل النهائي والتحرك بعيداً عنها وفرض الأمر الواقع حدوداً جديدة مثلاً الجدار بدلاً عن حدود 67 وبالتالي ضم للكتل الاستيطانية الضخمة (مدن) ... قدس جديدة .... ولا عودة للاجئين إلى داخل حدود جديدة ليشكل إسرائيل الآمنة وذات الأغلبية اليهودية التي تأمن ولو بالمستوى المنظور البعبع الديمغرافي الفلسطيني. وكنت قد استعرضت في مقال سابق (قراءة في عقل شارون) في العام 2005، حين بدأ شارون تنفيذ خطته للفصل بأنه يطمع لتحقيق ذلك عبر البوابة الفلسطينية وذلك من خلال خلق دولة فلسطينية تابعة تكون هذه الدولة لاحقاً قادرة على التنازل. ومن هنا فان دولة فلسطين محدودة بمناطق الكثافة السكانية تحقق إستراتيجية رئيسية عند شارون في حينه، وحينها سيكون الصراع بين دولتين لا بين دولة اسرائلية ومنظمة التحرير التي تشكل اللاجئين وقضيتهم بعداً هاماً في تركيبها، وعند ذلك تفرض إسرائيل كلمتها العليا في مفاوضات الحل النهائي.
ومن هنا، فان قبول مسمى دولة قبل وجودها وقبل الحل النهائي يعتبر كارثياً على الصعيد الفلسطيني وكان شارون يعتمد في تفكيره على هذه الإستراتيجية ومن ثم خلق النظرة التشاؤمية لدى الفلسطينيين وبذلك الموافقة في النهاية على المعروض إسرائيلياً وليس المأمول فلسطينياً وذلك بالاعتماد إسرائيليا على الظهور إعلاميا بمظهر المتضرر من (تنازلات مؤلمة) عبر إزالة عدد من الكرافانات الاستيطانية.
إلا أن هذه المغامرة المنفردة قد تذهب بأبي مازن نحو خيارات (إما.. أو)، حيث أن خطوته قد تذهب باتجاه اعتماد عضوية فلسطين بشكل كامل أو كمراقب مما يضع عباس في ورطة وثيقة تنازل تاريخية مسجلة حصرياً باسمه سيكون فيها محل لعنة أجيال قادمة، أو أن يتم الرفض لهذه العضوية مما يشكل نجاة جزئية على المستوى الاستراتيجي من لعنة الأجيال، ولكن ذلك يفتح أمام عباس أن يقف جدياً أمام خياراته الضرورية في مفترقات خطرة وليس أقلها مستقبله السياسي الشخصي وهل سيذهب باتجاه الاستقالة والانزواء السياسي بوصوله إلى الجدار الأخير وما يترتب على ذلك من دفن لخيار التفاوض بعد إعلان عباس وفاة هذا الخيار في الأمم المتحدة، وهل سيذهب عباس إلى أبعد من ذلك بإعلان الخطوة التي تم الدندنة حولها كثيرا ًعبر تسريبات متعددة في حل السلطة الوطنية الفلسطينية؟ وهذه على كل الأحوال خيارات الحل السلبي، والذي أميل إلى اعتماده طرف أبي مازن وهذا في حده الأدنى الاستقالة و الانزواء؟
أم أن عباس سيذهب باتجاه خيار ايجابي باعتماد المصالحة الوطنية خياراً استراتيجياً وليس تكتيكياً وبعيداً عن استخدام المصالحة (بعبع) لأعداء فلسطين أو عبر توظيفها سياسياً (كطبخة حصى)، وفي هذا السياق تسري شائعات عن زيارة لعباس قريبة إلى غزة فهل هذا سيتم على قاعدة اعتماد المصالحة خياراً استراتيجياً وعلى قاعدة نتينياهو "إما سلام مع إسرائيل أو سلام مع حماس" ومن ثم الاتفاق مع الكل الفلسطيني وعلى رأس ذلك قواه الفاعلة وعلى رأسها حماس على إستراتيجية عمل وطنية فلسطينية موحدة للعمل في المرحلة القادمة كما دعا إلى ذلك مشعل.
ومن هنا يتفق عباس مع كافة القوى على خيار الشعب الفلسطيني وذلك بترجمة خطاب عباس إلى واقع عبر خوض معركة منع الاحتلال عن جرائم التطهير العرقي والسلوك العنصري عبر معركة نزع الشرعية مع استباق ذلك بخطوة رئيسية تتمثل في وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وإعلان دفن مسيرة التسوية ووقف مؤبد للمفاوضات مع إطلاق يد الشعب الفلسطيني في حقه في تنفيذ خياراته كأي شعب يقع تحت الاحتلال وفق شرائع ومواثيق الأمم المتحدة؟

