أخبار » تقارير

التسول على أبواب مساجد غزة.. احتياج أم احتراف؟

21 آب / يونيو 2016 04:43

متسولين
متسولين

غزة- الرأي- فلسطين عبد الكريم

كانت عقارب الساعة تشير إلى تمام الثالثة عصراً، عندما كنت أستقل سيارة في معسكر الشاطئ بغزة بهدف ايصالي للمكان المقصود.. وقفت السيارة لتستقلها إحدى النساء المقنعات، تليها إمرأة أخرى مقنعة تعرفتا على بعضهما البعض دار بينهما حديث حول أن كل واحدة منهن ستقف عند باب مسجد لأن الخير والرزق الوفير أكثر مايكون في شهر رمضان المبارك.

تسول عند المساجد

هذا حال الكثيرين من المتسولين في قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات متواصلة، فما أن يعلن الإمام الانتهاء من صلاة التراويح برمضان، حتى يهرع المتسولين ناحية المصلين الخارجين من المساجد في محاولة لكسب استعطافه بالرجاء والتوسل، فالكثيرون من المتسولين أصبحوا خبراء في اختيار العبارات الرقيقة التي تجذب عطف الناس إليهم ويستخدمون كل فنون الخطابة، وبالمقابل يتدافع المصلون نحوهم ويدفعون لهم الأموال.

وأحياناً أخرى تجد أغلب المتسولين أطفالاً لم يبلغوا سن الرشد، يدَّعى كل واحد منهم أن والده توفي وترك له مجموعة من الإخوة وهو الولد الوحيد المعيل لعائلته، أو أن عائلته تجبره على مد اليد للناس .

النساء الأكثر شهرة

وأكثر ما يثير في الأمر أن العديد من المتسولات هن من فئة النساء والشابات الجميلات واليافعات اللواتي يحملن أطفال صغار قد يكونوا معاقين أو أصحاب حالات مرضية في محاولة لاستعطاف المارين والخارجين من المساجد، وهي من أهم الطرق التي بات يألفها الجميع.

أحد المواطنين بمعسكر الشاطئ بغزة، أوضح " [إرساء] للرأي" أنه بمجرد أن خرج من باب منزله برفقة زوجته وأطفاله حتى باغتته إحدى النساء المنقبات ومدت يدها لطلب المعونة، ومن ثم بدأت تنهال عليه بالأدعية وكأنها تحفظها عن ظهر قلب، موضحا أنه شعر بالحرج ومد يده في جيبه وأعطاها مبلغا صغيرا من المال.

ولا تتوقف طرق التسول عند هذا الحد، بل يتعدى الأمر عرض تقارير طبية وشهادات لأمراض وعمليات جراحية للمتسولين مداعبين عواطف المصلين عقب الانتهاء من الصلاة.

ومن أكثر الجمل والعبارات التي نسمعها يوميا من هؤلاء المتسولين، هي من مال الله أعطينيوالله يحفظ أهلك، أعطينا الله يعطيك، الله يرحم والديك.. وغيرها من الجمل والأدعية التي تطرق مسامعنا كثيرا خلال الشهر الفضيل، البعض منهم يكتفي بما تجود به الأيدي والبعض لا يرضيه القليل، ويزيد إلحاحا بسرد قصص يحبكها بكل حرفنة تجعلك تنساق له استعطافا وطلبا للأجر.

والمراقب لمثل هذه الظواهر يلاحظ بوضوح أن بعض المواطنين يشجعون بغير قصد ظاهرة التسول حيث تعطى الأموال للمتسولين بشتى أنواعهم دون التأكد من حاجة طالبيها.

هذا بخلاف الذين يجلسون خارج المسجد على الأبواب، الصامتون الذين لا يتكلمون، وكأن هؤلاء المصلين أغنياءوأتوا إلى المسجد لينفقوا أموالهم الفائضة عن حاجتهم.

حملة شرطية

من جانبه، أكد الناطق باسم الشرطة الفلسطينية المقدم أيمن البطنيجي، أن الشرطة ألقت القبض على الكثير من المتسولين في حملة نفذتها بالأمس في شوارع غزة وخاصة قرب المساجد، موضحا أن أغلب هؤلاء هم من فئة النساء والفتيات والأطفال الصغار.

وقال البطنيجي في حديث خاص للرأي:" إن المثير في الأمر أن الكثير من هؤلاء المتسولين تم أخذ تعهد عليهم سابقا بعدم الرجوع إلى التسول في الشوارع والطرقات وقرب الأماكن الهامة بغزة، لكن يبدو أن لاشيء يردعهم وعادوا إلى مد اليد للناس وطلب المال مرة أخرى".

ووفق ماذكره البطنيجي فإن الشرطة الفلسطينية أخذت تعهدات على بعض المتسولين بعدم الرجوع إلى التسول والوقوف أمام المساجد وقرب المفترقات، مشيرا إلى أن المتسولين يجدون التسول طريقة لجلب المال الوفير خاصة في شهر رمضان المبارك.

وكانت الشرطة الفلسطينية قد أطلقت في وقت سابق حملة مكثفة للقضاء على ظاهرة التسول التي انتشرت بشكل كبير وموسع في قطاع غزة المحاصر خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة للمواطنين، حيث تم القبض حينها على أكثر من 300 متسول بغزة وتم الحصول على تعهد منهم بعدم الرجوع مرة أخرى للتسول في الشوارع والطرقات.

ظاهرة متزايدة

ويبدو أن الظاهرة تزايدت في الآونة الأخيرة في قطاع غزة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي فرض على بعض العائلات اللجوء إلى التسوّل كوسيلة لتوفير مستلزمات الحياة، والبعض الآخر استغل تلك الأوضاع لتحسين ظروفه أكثر فأكثر.

وهنا تجدر الاشارة الى أن بعض هؤلاء المتسولين هم فعلا لم يجدوا خياراً أمامهم سوى طرق جيوب الآخرين بحثا عن رزقهم أو العلاج لبعضهم، تحت ظروف اقتصادية أجبرتهم على التسوّل القسري.

جدير بالذكر أن ظاهرة التسوّل ومخاطرها على المجتمع الفلسطيني بكافة تصنيفاتها وأبعادها تتطلب أيضاً التركيز عليها من نواحي سيكولوجية ونفسية، ووضع خطط وطنية وعلمية لمعالجتها بشكل علمي وفق مسئوليات متعددة، وهو ما يستدعي التشابك بين كافة القطاعات الحكومية والأهلية من أجل القضاء عليها أو تحقيق نتائج ايجابية.

المتسولين متسولين
متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟