عشر سنوات من عمر قلم صحفي لم يتوقف عن صياغة التحقيقات والحوارات والتقارير والمنوعات ضمن صفحات جريدة يومية تخصصت بالشأن الفلسطيني، لا سيما التغريد خارج سرب الصحيفة ضمن مواقع شبابية دولية تهتم بواقع التدوين والكتابة الصحفية الإبداعية، ليتكلل قلمها بفوزه بجائزة الصحافة العربية لعام 2017.
الصحفية آلاء أبو عيشة والتي أتمت عقداً كاملا من الزمن بعمر صحيفة فلسطين التي بدأت مشوارها وأكملته بداخلها، اتجهت بكتاباتها نحو المواضيع الاجتماعية الأسرية لتنغمس بشكل تدريجي إلى الكتابة في محور "القصص الإنسانية".
أبو عيشة أوكلت نفسها ناطقة باسم الأسر الفقيرة وضحايا الحروب من الشهداء والجرحى والمرضى، بالإضافة إلى الحوارات التي تتحدث عن عظماء بدأوا من الصفر ليصبحوا في مقامات رفيعة، فلم يكن قلمها وحده الذي يكتب ويجيد تصفيف العبارات بل وأضحت تشعر بكل ما تكتب لتوصل الصورة كاملة.
آلاء لم تنسى أن تسرد ضمن سلسة تقارير متفرقة وضع المرضى والعالقين وغير القادرين على السفر لاستكمال العلاج، ناهيك عن الفترات التي تمر على أبناء هذه الفئة من اختفاء بعض الأدوية، وغلاء ثمنها، لتقع أخيراً في ذات الفخ وتتجرع من نفس الكأس وتقف رهينة المنع من السفر لاستلام جائزتها الدولية في دبي.
المعبر وقف حائلا صلباً أمام آلاء لاستلام جائزتها ضمن حفل كبير مقام في دبي كما كل عام، إلا أن عزيمتها لم تنكسر ولم يتأثر قلمها بقولها :" لعلي في هذه المرة شعرت حقاً بأولئك الذين ينتظرون حقاً الخروج من غزة من أجل تلبية احتياج أساسي حياتي مُلح، بل وأحمد الله لأنني لم أقصد السفر من أجل العلاج أو حتى البحث عن عمل، الجائزة محفزة بالطبع سواء كنت سافرت أو لم أسافر، لكن لعل السفر لو تحقق لكانت الفرحة اكتملت".
"ثالوث الموت"
القلم الإنساني له نصيب الأسد من الجوائز العالمية لكونه ينطق باسم أضعف الفئات وأكثرها انتهاكاً، فكانت الصحفية رنا الشرافي ضمن من فازوا بجائزة الصحافة العربية لعام 2015، وكانت قد نالت مثل زملائها من الإعلاميين بمنعها من السفر لأسباب إغلاق معبر رفح.
وكانت الشرافي قد انحازت في كتاباتها نحو الجانب الإنساني في قطاع غزة، فجسدت في قلمها قبل عامين تفاصيل هجرة الشباب الغزي نحو مالطا عبر معبر رفح ومن ثم إلى مصر من خلال مراكب هالكة غير صالحة للسفر عام 2014.
الشرافي لم تترك أيّ من التفاصيل تضيع، بل وكتبت كل منها وسجلتها ضمن قصة عنونتها "خبايا هجرة ثالوث الموت من غزة"، لتدع للقارئ يعيش النصوص ويستشعر بوحشة سفرهم وقرب هلاك المسافرين على شواطئ مالطا.
ورغم امتلاك الصحفية الشرافي التي تعمل في صحيفة فلسطيني اليومية للأوراق اللازمة للسفر وإجراء التنسيقات الدولية بين السفارتين الفلسطينية والإماراتية إلا أن خروجها من غزة لحضور حفل تكريمها باء بالفشل.
الشرافي والتي يعود مسقط رأسها إلى دولة الكويت العربية حجزت في السجن الكبير الذي يسمى "غزة" كما غيرها من الغزيين مع اختلاف الحاجات والأسباب للسفر.
لم يطمث إغلاق المعبر وحرمان الشرافي من السفر قلمها وتميزه في صياغة المواضيع الإنسانية، بل ازدادت تحفزا على التميز أكثر، فكانت آخر أعمالها "كتابة تحقيق صحفي ضمن حلقات متسلسلة في صحيفة فلسطين"، ليتحول أخيراً إلى تحقيق مصور تبنته قناة الجزيرة الوثائقية.
لم تنحصر سبل المنع من السفر عبر معبر رفح البري على الصحفيتين آلاء أبو عيشة ورنا الشرافي فقط، بل منع قبلهما الكثير من الإعلاميين الذين حازوا على جوائز عالمية ومكثوا محتجزين في غزة دون حضور فعلي في الخارج.
وضمن وحدة رصد انتهاكات الصحفيين في وزارة الإعلام فأن الاحتلال قد منع منذ بداية العام ثلاثة صحفيين وإعلاميين من السفر سواء لتلقي العلاج أو للمشاركة في فعاليات ومؤتمرات دولية او استلام جوائزهم.
ومن ضمنهم الصحفي صابر نور الدين من مدينة غزة، من السفر لاستلام جائزة مسابقة حمدان بن محمد بن ال رائد ال مكتوم العالمية للتصوير الضوئي حيث لم يتمكن من حضور الحفل جراء اغلاق معبر رفح.
كما منعت السلطات الإسرائيلية الكاتب الحرّ والأكاديمي بلال الشوبكي من السفر، واحتجزته على جسر الكرامة لمدة ساعة دون معرفة سبب المنع، وكان ينوي السفر إلى عمّان ثم إلى هولندا للمشاركة في مؤتمر، ورفضت سلطات الاحتلال اعطاء الكاتب هشام ساق الله تصريحا للمرور إلى مستشفى المقاصد في القدس لتلقي العلاج.
والجدير بذكره أن طابور المحتاجين للسفر لا زال يطول ويمتد بفعل إغلاق معبر رفح ومنع الجميع من ممارسة حقه بالسفر دون مراعاة للحاجات والأسباب، فكم من حالة لا زالت قيد الموت السريري تقف عاجزة أمام تلك البوابة الصماء، وكم من طالب خسر منحته الدراسية لفوات الوقت المنحصر بها، وكم من فرص ذهبية تبخرت وأضحت في قوائم المستحيلات والقائمة تطول.

