غزة – الرأي – شعبان عدس
للوهلة الأولى، وعند رؤيتهم خلال جولة على الأراضي الزراعية في المناطق الحدودية لم نصدق ما تشاهده أعيننا في أقصى الشرق من مدينة بيت لاهيا، وعلى بعد عشرات الأمتار من قوات الموت (الإسرائيلية) ثلاثة من الشباب يرعون الأغنام.
المنطقة لا صوت فيها ولا ساكناً يتحرك سوى تلك الأغنام التي تتجول هنا وهناك بحثاً عن لقمة العيش التي دفعت مالكيها إلى مناطق التماس والمواجهة التي قد تودي بحياتهم في أي لحظة غير مبالين حتى بالموت، بقولهم "الموت أشرف من الفقر".
دخلنا المنطقة متسللين ببطء خشية حدوث أمراً ما، لكن صوت ذلك الشاب من بعيد وهو يقول"تفضلوا الشاي جاهز" أدخل إلى قلوبنا شيئاً من الطمأنينة، وفجأة سمعنا صوتاً جعلنا نتوقف قليلاً لنفكر في الانسحاب من المكان، أنه صوت "الأباتشي".
واصلنا الخطى نحوهم وعيوننا مصوبةُ نحو "منطاد" الاحتلال الذي يصور كل من يتحرك في تلك المنطقة غير المأهولة بالسكان، لننقل جزءاً من معاناة هؤلاء الشباب في البحث عن لقمة العيش التي تعرضوا من أجلها للإصابة وخطر الموت عدة مرات.
رفض التهديد
بدر أبو جراد أحد هؤلاء، بدأ الحديثة بالقول: "نحن هنا من أجل الحصول على لقمة العيش التي يسعى الجميع ويجتهد للحصول عليها، سوى أنه كُتب علينا أن نكون من رعاة الأغنام تشبهاً بالآباء والأجداد الذين تربينا على أيدهم في هذا المجال".
ويؤكد أبو جراد الذي أصابه الاحتلال بقدمه خلال عمله كراعي، أنه يلجئ إلى تلك المناطق الخطرة لرعي الأغنام بعد أن لجأ المواطنين من أصحاب الأراضي الزراعية إلى استصلاح أراضيهم للزراعة بهدف كسب الأموال في ظل الظروف الصعبة.
ويضيف في حديثه لـ "الرأي"، "الجميع يرفض أن نرعى الأغنام في أراضيهم خوفاً من الضرر الذي تُلحقه الأغنام في مزروعاتهم، لذلك لا يوجد مكان سوى هذه المناطق لنمارس به عملنا، الذي يعد المصدر الوحيد الذي يدر بالدخل على أفراد أسرتي المكونة من 10 أفراد".
وأوضح أن جنود من القوات الخاصة (الإسرائيلية) تتقدم من الحين إلى الآخر إلى المنطقة التي يعملون بها مطالبين إياهم بمغادرة المكان، وإلا سيعرضون نفسهم للخطر، في حين أن طلبهم يقابل بالرفض من قبلهم في ظل عدم وجود البديل الذي يُغنيهم.
يذكر أن الجنود قنصوا عدد من الأغنام التي يملكها بدر وعائلته خلال رعيه لها، كخطوة لترهيبهم ومنعهم من دخولهم تلك المناطق.
وتشهد المناطق الحدودية لقطاع غزة من الحين على الآخر خروقات (إسرائيلية) تتمثل بتقدم محدود لآليات الاحتلال التي تقوم بإطلاق النار والقذائف على المواطنين، وتجرف منازل وأراضيهم الزراعية، في حين يتعرض العديد منهم للإصابة أو الموت.
أكلاً شهياً
ويشير بدر بعد أن قدم لنا كوباً من الشاي المجهز على نار الحطب إلى أن ارتفاع سعر الأعلاف الخاصة بالأغنام يعد أحدى الأسباب التي تدفع بهم إلى الرعي الطبيعي القائم على الأعشاب الجافة، من أجل النهوض بالقطيع وزيادة عدده مستقبلاً.
واستدرك "نقوم ببيع الذكور من الأغنام بهدف الذبح، ونعمل على تربية الإناث من أجل الاستفادة من ومواليدها مرة أخرى، مع العمل أننا نقوم من الحين إلى الأخر بتربية بعض الذكور من أجل الحفاظ على بعض السلالات المميزة بهدف استغلالها".
وحول مخرجات تلك الأغنام، أوضح أبو جراد أنه يقوم إلى جانب أفراد أسرته بصناعة الجبن والحليب وبيعة على المواطنين المستمرين في شرائه لطعمه المميز وتأكُدهم من مصدره الطبيعي من خلال مشاهدتهم لنا خلال صناعته في المنزل.
ويبن أن رعي الأغنام في المراعي الطبيعة من خلال الأعشاب من شأنه أن يُكسب الطعم والرائحة الجيدين للحومها ومشتقاتها، مشيراً إلى أن فصل الشتاء يمثل عقبة أمام مهنتهم كونه يُحد من ظهور الأعشاب الخضراء في مناطق الرعي.
ويأمل الشاب أبو جراد في حياة طيبة يعمها الأمن والأمان، تساعده في ممارسة عملة دون الشعور بالخطر أو الإصابة بضرر، قائلاً: "نحن لا نرجو من هذه الحياة سوى لقمة الحلال التي تغنينا عن سؤال الناس".









