غزة- الرأي- سمر العرعير:
أربعةً وثلاثون عاماً مرت على آخر كلمات للشهيدة دلال المغربي أثناء عملية الساحل التي نفذتها برفقة عدد من الفدائيين الفلسطينيين والتي أوصت فيها باستمرار" المقاومة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني".
دلال المغربي فتاةٌ فلسطينية ولدت عام 1958 في إحدى مخيمات بيروت وهي ابنة لأسرة من يافا، لجأت إلى لبنان في أعقاب النكبة عام 1948م .
تلقت دلال دراستها الابتدائية في مدرسة يعبد ودرست الإعدادية في مدرسة حيفا، وكلتا المدرستين تابعتين لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في بيروت .
التحقت الشهيدة دلال بالحركة الفدائية وهي على مقاعد الدراسة فدخلت عدة دورات عسكرية للتدريب على مختلف أنواع الأسلحة وحرب العصابات وعرفت بجرأتها وحماسها الثوري والوطني .
كان عام 1978م عاماً سيئاً على الثورة الفلسطينية، فقد تعرضت إلى عدة ضربات وفشلت لها عدة عمليات عسكرية وتعرضت مخيماتها في لبنان إلى مذابح، وأصبح هناك ضرورة ملّحه للقيام بعملية نوعية وجريئة لضرب (إسرائيل) في قلب عاصمتها فكانت عملية كمال العدوان.
وضع خطة العملية أبو جهاد، وكانت تقوم على أساس القيام بإنزال على الشاطئ الفلسطيني والسيطرة على حافلة عسكرية، ومن ثم التوجه إلى تل أبيب، لمهاجمة مبنى الكنيست الإسرائيلي.
وكانت العملية خطيرة جداً، وبالرغم من ذلك تسابق الشباب الفلسطيني على الاشتراك بها وكان على رأسهم دلال المغربي ابنة العشرين ربيعاً، وفعلاً تم اختيارها كرئيسة للمجموعة التي ستنفذ العملية والمكونة من عشرة فدائيين.
عُرفت العملية باسم كمال عدوان وهو القائد الفلسطيني الذي قتل مع كمال ناصر والنجار في بيروت، وكان باراك رئيساً للفرقة التي تسللت آنذاك إلى بيروت وقتلتهم في بيوتهم في شارع السادات في قلب بيروت، وعرفت الفرقة التي قادتها دلال المغربي باسم فرقة دير ياسين .
في صباح يوم 11 آذار / مارس 1978 نزلت دلال مع فرقتها الاستشهادية من قارب كان يمر أمام الساحل الفلسطيني واستقلت مع مجموعتها قاربين مطاطيين ليوصلهم إلى الشاطئ في منطقة غير مأهولة ونجحت عملية الإنزال والوصول إلى الشاطئ .
نجحت دلال وفرقتها في الوصول إلى الشارع العام المتجه نحو تل الربيع المحتلة، وقامت بالاستيلاء على باص صهيوني بجميع ركابه من الجنود كان متجهاً إلى المدينة المحتلة فأخذتهم كرهائن.
كان الهجوم مباغتاً، يخيم على وجوه الرهائن، إذ لم يخطر ببالهم رؤية فدائيين على أرض فلسطين، وخاطبتهم قائلةً: "نحن لا نريد قتلكم نحن نحتجزكم فقط كرهائن لنخلص إخواننا المعتقلين في سجون دولتكم المزعومة من براثن الأسر"، وأردفت بصوت خطابي "نحن شعب يطالب بحقه بوطنه الذي سرقتموه، ما الذي جاء بكم إلى أرضنا؟".
وحين رأت دلال ملامح الاستغراب في وجوه الرهائن سألتهم: "هل تفهمون لغتي أم أنكم غرباء عن اللغة والوطن!!
هنا ظهر صوت يرتجف من بين الرهائن لفتاة قالت إنها يهودية من اليمن تعرف العربية، فطلبت دلال من الفتاة أن تترجم ما تقوله للرهائن، ثم أردفت دلال تستكمل خطابها بنبرات يعلوها القهر: "لتعلموا جميعا أن أرض فلسطين عربية وستظل كذلك مهما علت أصواتكم وبنيانكم على أرضها.
ثم أخرجت دلال من حقيبتها علم فلسطين وقبلته بكل خشوع ثم علقته داخل الباص وهي تردد:
بلادي.. بلادي.. بلادي** لك حبي وفؤادي
فلسطين يا أرض الجدود** إليك لا بد أن نعود
عند هذه المرحلة اكتشفت القوات (الإسرائيلية) العملية، فجندت قطع كبيرة من الجيش وحرس الحدود لمواجهة الفدائيين، وسعت لوضع الحواجز في جميع الطرق المؤدية إلى تل الربيع، لكن الفدائيين تمكنوا من تجاوز الحاجز الأول ومواجهة عربة من الجنود وقتلهم جميعاً، الأمر الذي دفع بقوات الاحتلال إلى المزيد من تكثيف الحواجز حول الطرق المؤدية إلى تل الربيع.
غير أن الفدائيين استطاعوا تجاوز حاجز ثان وثالث حتى أطلوا على مشارف تل الربيع فارتفعت روحهم المعنوية أملاً في تحقيق الهدف، لكن قوات الاحتلال صعدت من إمكاناتها العسكرية بمزيد من الحشود لمواجهة ثلاثة عشر فدائياً، تقودهم فتاة أطلوا من خلف الشتات بأسلحة خفيفة صمدت في وجه دباباتهم.
وتمركزت الآليات العسكرية المدرعة قرب ناد ريفي اسمه (كانتري كلوب) وأصدر إيهود باراك قائد الجيش اليوم المواجه للعملية آنذاك، أوامره بإيقاف الباص بأي ثمن.
فعملت قوات الاحتلال على تعطيل إطارات الباص ومواجهته بمدرعة عسكرية لإجباره على الوقوف، حاولت المجموعة الفدائية مخاطبة الجيش بهدف التفاوض وأملاً في ألا يصاب أحد من الرهائن بأذى، لكن جيش الاحتلال رفض أن يصغي لصوت الفتاة اليهودية المغربية التي حاولت محادثتهم من نافذة الباص بل إن الجيش أعلن عبر مكبرات الصوت أن لا تفاوض مع الاستشهاديين وأن عليهم الاستسلام فقط.
ثم أصدرت دلال أوامرها للمجموعة بمواجهة قوى الاحتلال وجرت معركة عنيفة ضربت خلالها دلال المغربي ومجموعتها نماذج في الصمود والجرأة في الأوقات الصعبة عندما نجحت في اختراق الجيش ومقاتلته بأسلحتها البسيطة التي استخدمتها في آن واحد.
أصيبت دلال واستشهد ستة من المجموعة وبدأ الوضع ينقلب لمصلحة الجيش خاصة وأن ذخيرة المجموعة بدأت في النفاذ.
كانت قوات الاحتلال خلال هذا المشهد تطلق قذائفها غير مبالية باليهود الرهائن المحتجزين بالباص، فسقطوا بين قتيل وجريح وظهر للمجموعة أن الوضع أخذ في التردي خاصة وأن دلال أصيبت إصابة بالغة.
استشهدت دلال المغربي ومعها أحد عشر من الفدائيين بعد أن كبدت جيش الاحتلال حوالي (30 قتيلاً وأكثر من 80 جريحاً) كرقم أعلنته قوات الاحتلال، أما الاثنين الآخرين فتقول الروايات أنه نجح أحدهما في الفرار والآخر وقع أسيرا متأثراً بجراحه فأقبلت قوات الاحتلال بشراسة وعنجهية على الأسير الجريح تسأله عن قائد المجموعة فأشار بيده إلى دلال وقد تخضبت بثوب عرسها الفلسطيني، لم يصدق إيهود باراك ذلك، فأعاد سؤاله على الأسير الجريح مهدداً ومتوعداً فكرر الأسير قوله السابق: إنها دلال المغربي.
فاقبل عليها إيهود باراك يشدها من شعرها ويركلها بقدمه بصلف ظالم لا يقر بحرمة الأموات.
تركت دلال المغربي التي بدأت في الصورة، وباراك يشدها من شعرها وهي أمام المصورين وصية، تطلب فيها من رفاقها "المقاومة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني".

